دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (1) 

دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (1) 

توطئة وتمهيد

إن الأنبياء والأئمة عليهم السلام حرصوا أشد الحرص وبلغوا منتهى النصح في هداية العباد ، وإرشادهم إلى الإيمان بالله تبارك وتعالى ، ولم يدخروا في سبيل ذلك شيئاً ؛ فلم يفتهم دليل الصديقين لو كان دليلاً في ذلك حتى يأتي الفارابي وابن سينا والملا صدرا وأقرانهم لكي يشيدوه ويجعلونه دليلاً مهماً في إثبات الخالق جل وعلا . وبسبب ذلك وغيره تجد من يرفع شأن الفلاسفة على حساب قدر الأنبياء والأوصياء بغير حق وإن كان من غير التفات وقصد.

ولذا كان من الضروري التنبيه على القيمة المعرفية لبرهان الصديقين ، وهل حقاً جاء الفلاسفة بدليل مهم فات الأنبياء والأوصياء ، ومن تبعهم من العلماء ، لكي يبزغ فجره ويصدح أمره على ألسنة الفلاسفة ؟!

 

سبب التسمية بالصديقين

 إن ابن سينا وسم هذا البرهان بالصديقين : (إن هذا حكم للصديقين الذين يستشهدون به لا عليه)([1]). ثم شاع بهذه التسمية وعُرِّف بها كما ذكر الخواجة الطوسي في طريقة استدلال الفلاسفة الإلهيين ــ كما يقول ــ أي استدلال ابن سينا وقومه على الخالق سبحانه : (لما كان طريقة قومه أصدق الوجهين وسمهم بالصديقين فإن الصديق هو ملازم الصدق)([2]).

وأيضاً ملا صدرا صرَّح بأن تسميته بالصديقين جاءت من ابن سينا ثم تبعه المتأخرون في التسمية : (هذا ما وصفه الشيخ في الإشارات بأنه طريقه الصديقين وتبعه المتأخرون فيه)([3]).

وقال الزارعي في تعليقه على نهاية الحكمة بأن أول من سماه ببرهان الصديقين هو ابن سينا : (أول من سماه ببرهان الصديقين هو الشيخ الرئيس)([4]).

ثم بعد ابن سينا أخذه المتأثرون في الفلسفة على نحو المسلمات وجروا على تصديق ابن سينا في أن هذا البرهان هو أوثق الطرق وأصدقها متفاخرين به على غيرهم من غير إمعان ونظر.

وقد كان لسبب تسميته بـ : (برهان الصديقين) دور كبير في اشتهاره وذياع صيته . ومما ساهم في تلقيه هو الدور العاطفي الذي يتماشى مع عقيدة المؤمنين من غير التأمل والتدقيق في قيمته المعرفية ، مضافاً لدور السينوية المتأثرين في ابن سينا وفلسفته حيث عملوا على إكباره وإعظامه ، ودحض كل ما يوجب توهينه وإضعافه.

ولكن قبل ابن سينا توجد كلمات منسوبة للفارابي وغيره تدل عليه ، ومن ضمنها ما نُقل عن الشبلي : (كل إشارة أشار بها الخلق إلى الحق فهي مردودة عليهم حتى يشيروا بالحق إلى الحق ، وليس لهم إلى ذلك سبيل)([5]).

إن التسمية بـ : (برهان الصديقين) لم ترد في حديث أهل البيت عليه السلام ، كما أن المعنى المذكور لصيغة البرهان لم ترد في الحديث أيضاً ، والنصوص التي استشهدوا بها على البرهان لم تنطبق على معناه ــ كما يأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى ــ وهذا مما يتطلب الالتفات إليه .

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) الإشارات والتنبيهات (شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي)،ج3،ص66.

[2] ) الإشارات والتنبيهات (شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي)،ج3،ص67.

[3] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص27.

[4] ) نهاية الحكمة (تعليقات الزارعي)،ج2،ص208.

[5] ) نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية،ج4،ص107.

Comments (0)
Add Comment