دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (2)
برهان الصديقين مما جاء به الفلاسفة
قبل التعرض لصياغة البرهان وما فيه من كلام يتطلب التنويه إلى أن برهان الصديقين مما انفردت به الفلاسفة سواء فلاسفة المشاء والإشراق أي الصوفية (العرفاء) ، ولم يرتضه المتكلمون وسائر العلماء على تعدد مشاربهم ومتبنياتهم ؛ فلا يُتوهم بأنه دليل مسلَّم عند علماء المسلمين ، يشير الخواجة الطوسي إلى أن برهان الصديقين من مختصات الفلاسفة وأنهم يستدلون به على إثبات لله تعالى : (وأما الإلهيون فيستدلون بالنظر في الوجود وأنه واجب أو ممكن على إثبات واجب)([1]).
والعلامة الحلي بعد أن التعرض لدليل الصديقين نوه إلى أن المتكلمين اختاروا طريقاً آخر غير طريق الفلاسفة : (والمتكلمون سلكوا طريقاً آخر)([2]).
والمقداد السيوري في إرشاد الطالبين([3]) أشار إلى أن برهان الصديقين مما جاء به الفلاسفة في قبال طريق المتكلمين : (استدل المصنف ــ يقصد العلامة الحلي ــ على إثباته بطريقة الحكماء في هذا الباب ، وهو أن ننظر في الوجود نفسه حتى نشهد بوجود واجب الوجود ، وهي طريقة شريفة أشير إليها في الكتاب العزيز في قوله [أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ]. وأما المتكلمون فيستدلون : بأن العالم محدث ، وكل محدث مفتقر إلى المؤثر ، فالعالم مفتقر إلى المؤثر ، وهي طريقة الخليل عليه السلام وإليها أشير في الكتاب العزيز بقوله : [سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ] فالأول برهان لمي والثاني إني)([4]).
يقول ملا صدرا إن المتكلمين والطبيعيين وغيرهم يتوسلون إلى معرفة الله تعالى بغير برهان الصديقين : (كالمتكلمين والطبيعيين وغيرهم يتوسلون إلى معرفته تعالى وصفاته بواسطة اعتبار أمر آخر غيره)([5]).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ) الإشارات والتنبيهات (شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي)،ج3،ص66.
[2] ) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد،ص392.
[3] ) إرشاد الطالبين هو شرح على كتاب نهج المسترشدين في أصول الدين للعلامة الحلي .
[4] ) إرشاد الطالبين،ص176.
[5] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص14.