دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (3) 

دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (3) 

صيغة برهان الصديقين

إن برهان الصديقين صيغ وقُرر من خلال بيانات كثيرة جداً تبلغ نحو عشرين بيانا . وقد كان من أسباب الاختلاف في صيغته وفقا لأصالة الوجود والماهية ، ومن الأسباب تجنب مشابهته لبرهان الإمكان ، ومن الأسباب تعدد المقدمات التي تستلزم التسلسل والدور([1]) ، أي صيغ بصيغ متعددة تجنباً للمقدمات المتوقفة على لزوم التسلسل والدور ولذا يقول ملا صدرا : (المنهج الذي سلكناه أسد المناهج وأشرفها وأبسطها حيث لا يحتاج السالك إياه في معرفه ذاته تعالى وصفاته وأفعاله إلى توسط شيء من غيره ولا إلى الاستعانة بإبطال الدور والتسلسل فبذاته تعالى يعرف ذاته ووحدانيته)([2]).

ولكن سيأتي إن شاء الله تعالى أنه بناءً على أن مراد ابن سينا من مفهوم الوجود حكايته عن حقيقة الوجود الخارجية فأن هذا البيان لا يحتاج في تقريره إلى إبطال الدور والتسلسل أيضاً .

وبصورة عامة قبل التعرض لما قيل في صيغته ، والصيغ المتعددة فيه أن برهان الصديقين على حد تعبيرهم يستند في إثبات وجود الله تعالى كما قالوا إلى حقيقة الوجود فيجعل الوجود ، أو وجود موجود ما دليلاً على وجود الله تعالى إذ تحقق موجود ما لا يمكن من غير وجود الواجب بالذات.وبعبارة مختصرة : الاستدلال على إثبات الله تعالى من خلال النظر في الوجود وتقسيمه إلى الواجب والممكن.

وقد أشار الفارابي إليه وإن لم يسمه ببرهان الصديقين في كتابه فصوص الحكم : (لك أن تلحظ عالم الخلق فترى فيه إمارات الصنعة ، ولك أن تعرض عنه وتلحظ عالم الوجود المحض وتعلم أنه لا بد من وجود بالذات وتعلم كيف ينبغي أن يكون عليه الوجود بالذات . فإن اعتبرت عالم الخلق فأنت صاعد ، وإن اعتبرت عالم الوجود المحض فأنت نازل ؛ تعرف بالنزول أن ليس هذا ذاك ، وتعرف بالصعود إن هذا هذا .[سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ، أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ]([3]).

وكان من أسباب عدم تسليط الضوء عليه عند الفارابي وهو التشكيك في نسبة الكتاب المذكور إليه.

يتبع إن شاء الله في الصياغات المتعددة لبرهان الصديقين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] )التسلسل هو : عبارة عن اجتماع سلسلة من العلل والمعاليل الممكنة بصورة غير متناهية ، مثل أن يتوقف (أ) على (ب) ، و(ب) على (ج) ، و(ج) على (د) ، وهكذا إلى ما لا نهاية . والتسلسل مستحيل لأنه يؤدي إلى استحالة تحقق أي واحد من المعاليل ، وأن فرض تحقق ذلك يستلزم وجود المعلول بلا علة ، وهو محال .

توضيحه : إن (أ) كمعلول لـ(ب) إنما يتحقق إذا كانت علته (ب) موجودة وفعلية ، وإنّما تكون كذلك إذا لم تكن متوقفة على شيء آخر ، أو كانت متوقفة مع فرض تحقق وفعلية ما تتوقف عليه . وأمّا إذا كانت متوقفة على شيء آخر ، وكان ذلك الشيء أيضاً بدوره موقوفاً على آخر ، وهكذا ؛ فإن هذا يؤدي إلى عدم تحقق شيء من هذه المعاليل ، إلا إذا فرض الانتهاء إلى علة ليست معلولة شيء ، وفيه تنقطع السلسلة ، وتتحقق جميع المعاليل.

وأما الدور فهو : توقف وجود الشيء على ما يتوقف وجوده عليه ؛ كتوقف (أ) على (ب) ، وتوقف (ب) على (أ) ، وهذا هو الدور الصريح ؛ لأن التوقف بلا واسطة ، وإذا كان التوقف مع الواسطة ، كتوقف (أ) على (ب) ، وتوقف (ب) على (ج) ، وتوقف (ج) على (أ) ، هو الدور المضمر .

والدور باطل لأنه يستلزم تقدم الشيء على نفسه بالوجود واجتماع النقيضين ؛ لأن معنى توقف (أ) على (ب) هو : أنّ (ب) علة (أ) ، ومقتضى ذلك : تقدم (ب) على (أ) ؛ لتقدم كل علة على معلولها ، في حين أن مقتضى توقف (ب) على (أ) : أن (أ) علة (ب) ، ولازمه : أن (أ) متقدم على (ب) ؛ لأنه علة له ، وهذا ينتج : أن (أ) الذي فرض متأخراً عن (ب) في التوقف الأول ؛ لأنه معلول له صار متقدماً عليه في التوقف الثاني ؛ لأنه علة له ، وكذلك (ب) فإنه فرض متقدماً على (أ) في التوقف الأول في حين فرض متأخراً عنه في التوقف الثاني ، فيكون الشيء الواحد وبالنسبة إلى شيء واحد متقدماً وغير متقدم ، ومتأخراً وغير متأخر ، وهو جمع بين النقيضين ، وهو محال .

[2] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص25.

[3] ) فصوص الحكم،ص62.

Comments (0)
Add Comment