(20) س :ما هو اتحاد العاقل بالمعقول وهل هو من المعاني الباطلة؟
ج : من المتبنيات الفلسفية التي وقع فيها خلاف وجدال ما بين الفلاسفة اتحاد العاقل بالمعقول ، وهي من أغمض المسائل كما يقول ملا صدرا : (إن مسألة كون النفس عاقلة لصور الأشياء المعقولة من أغمض المسائل الحكمية التي لم ينقح لأحد من علماء الإسلام إلى يومنا هذا ونحن لما رأينا صعوبة هذه المسألة وتأملنا في إشكال كون العلم بالجوهر جوهراً وعرضاً ولم نر في كتب القوم سيما كتب رئيسهم أبى على كالشفاء والنجاة والإشارات وعيون الحكمة وغيرها ما يشفى العليل ويروى الغليل)([1]).
وقد صرَّح ابن سينا بأنه لم يفهم معناها : (ما يقال من أن ذات النفس تصير هي المعقولات ، فهو من جملة ما يستحيل عندي ؛ فإني لست أفهم قولهم : إن شيئاً يصير شيئاً آخر ، ولا أعقل أن ذلك كيف يكون)([2]).
ثم يواصل كلامه ابن سينا في بيان معاني اتحاد العاقل بالمعقول وردها : (إن كان بأن يخلع صورة ثم يلبس صورة أخرى ، ويكون هو مع الصورة الأولى شيئاً ، ومع الصورة الأخرى شيئاً ، فلم يصر بالحقيقة الشيء الأول الشيء الثاني ؛ بل الشيء الأول قد بطل وإنما بقي موضوعه أو جزء منه ، وإن كان ليس كذلك فلينظر كيف يكون فنقول : إذا صار الشيء شيئاً آخر ، فإما أن يكون إذ هو قد صار ذلك الشيء موجوداً أو معدوماً ، فإن كان موجوداً ، فالثاني الآخر إما أن يكون موجوداً أيضاً أو معدوماً ، فإن كان موجوداً ، فهما موجودان لا موجود واحد ، وإن كان معدوماً ، فقد صار هذا الموجود شيئاً معدوماً لا شيئاً آخر موجوداً ، وهذا غير معقول . وإن كان الأول قد عدم فما صار شيئاً آخر ، بل عدم هو وحصل شيء آخر . فالنفس كيف تصير صور الأشياء ، وأكثر ما هوّس الناس في هذا هو الذي صنف لهم إيساغوجى وكان حريصاً على أن يتكلم بأقوال مخيلة شعرية صوفية يقتصر منها لنفسه ولغيره على التخيل ، ويدل أهل التمييز على ذلك كتبه في العقل والمعقولات وكتبه في النفس . نعم إن صور الأشياء تحل في النفس وتحليها وتزينها ، وتكون النفس كالمكان لها بتوسط العقل الهيولاني ، ولو كانت النفس صورة شيء من الموجودات بالفعل ، والصورة هي الفعل ، وهي بذاتها فعل ، وليس في ذات الصورة قوة قبول شيء ، إنما قوة القبول في القابل للشيء ، وجب أن تكون النفس حينئذ لا قوة لها على قبول صورة أخرى وأمر آخر . وقد نراها تقبل صورة أخرى غير تلك الصورة ، فإن كان ذلك الغير أيضاً لا يخالف هذه الصورة فهو من العجائب ، فيكون القبول واللاقبول واحداً ؛ وإن كان يخالفه ، فتكون النفس لا محالة إن كانت هي الصورة المعقولة قد صارت غير ذاتها ، وليس من هذا شيء ، بل النفس هي العاقلة ، والعقل إنما يعنى به قوتها التي بها تعقل ، أو يعنى به صور هذه المعقولات في نفسها)([3]).
ولكن ابن سينا تبنى اتحاد العاقل والمعقول بعد ما أنكره كما يقول حسن زاده الآملي : (الشيخ الرئيس كان ينكر أولا اتحاد العاقل بمعقوله ، ثم أقرّ به ؛ وفي كتبه التي تصدى فيها لرد الاتحاد كالشفاء والنجاة والإشارات قد وجدنا غير واحدة من كلماته التي لا مخلص عنها إلّا أن تحمل على الاتحاد ؛ وذكرنا مواضع منها في الدرس الأول من دروس اتحاد العاقل بالمعقول وفي النكتة 802 من ألف نكتة ونكته)([4]).
والمراد من اتحاد العاقل بالمعقول ــ أو العالم بالمعلوم كما عنون السيد الطباطبائي بعض فصول البداية والنهاية بذلك ــ هو أن الصورة الذهنية للمعلوم تتحد مع النفس ، يقول الشيخ جعفر السبحاني : (اتحاد العاقل والمعقول ، والمراد من العاقل هو الإنسان العالم بالشيء ، ومن المعقول هو الصورة الذهنية . فيجب أن يكون وجود الصورة بوجه يتحد مع النفس ، اتحاد العرض مع جوهره في الوجود ، وإلا فلو عدّت النفس ظرفا للصورة ، والصورة شيئاً موجوداً فيه ، كانت أشبه شيء بالصورة المنعكسة في المرايا)([5]).
ويقول أيضاً : (اتحاد وجود العاقل مع وجود المعقول بالذات الّذي لا وجود مستقل له عن النفس ، بل يعد مرتبة من مراتب وجودها .فاتحاد العاقل والمعقول إذن ، هو اتحاد وجود المعلوم بالذات مع وجود النفس المدرِكة)([6]).
ويقول السيد جعفر السجادي مبينا للمعنى الذي يقول به الملا صدرا في اتحاد العاقل والمعقول : (يعتقد صدر المتألهين في كافة الإدراكات باتحاد المدرك والمدرك ، ويعتبر بأن المعقول بما هو معقول وجوده في نفسه ووجوده لعاقله ولمعقوليته شيء واحد ، كما أن المحسوس بما هو محسوس يكون وجوده في نفسه ووجوده للحاس ومحسوسيته شيئاً واحداً . ثم يعتبر صدر المتألهين أن النفس في عين وحدتها فهي كل القوى ، السمع والسميع ، البصر و…وكل ذلك من عمل النفس . وبعبارة أخرى : فالنفس تدرك البصر والمبصر والإبصار ، لا بل إن النفس بذاتها هي بصر ومبصر وما به الإبصار ، والنفس أيضاً تدرك السمع والمسموع والسماع ؛ حيث إن النفس في وحدتها كل القوى ، وبعد التمهيد بهذه المقدمات يعتبر : لو كانت الصورة المعقولة قائمة بذاتها ، فهي ستكون من دون شك موجودة لذاتها ؛ وبالتالي ستكون معقولة لذاتها ؛ لأن كل مجرد فهو عاقل ومعقول لذاته)([7]).
واتحاد العاقل بالمعقول من متبنيات الفلاسفة عديمة الجدوى ، التي كثُر فيها كلامهم واستطالت فيها أوهامهم .
وأما إجراء اتحاد العالم بالمعلوم على علم الله سبحانه فهو من المعاني الباطلة قطعاً لأنه أما يلزم منه تغير ذاته بالمعلومات ، وانطباعها فيها ، وأما نفي العلم عنه وكل ذلك من الأمور الباطلة التي يجل الباري عنها حيث معنى علمه تعالى أنه لا يجهل شيئا كما روي في بيان ذلك في حديث أهل البيت عليهم السلام وبسطت الكلام مفصلا في كتاب : (الأسماء والصفات ما بين نظر أهل البيت عليهم السلام والفلاسفة).
وبسبب هذه المحاذير التي تلزم من سريان اتحاد العاقل بالمعقول على علم الله سبحانه لجأ ملا صدرا إلى القول في تفسير علمه تعالى بأنه بسيط الحقيقة كل الأشياء ـــ الذي يأتي بيانه ووجه المحذور فيه إن شاء الله تعالى ـــ فوقع في محذور آخر لا يقل عن تلك المحاذير وهذا جزاء من يقحم نفسه فيما لم يكن من شأنه ووسعه التفكير فيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ) الحكمة المتعالية،ج4،ص312.
[2] ) الشفاء (الطبيعيات)،ج2،ص212.
[3] ) الشفاء (الطبيعيات)،ج2،ص212.
[4] ) عيون مسائل النفس،ص235.
[5] ) مفاهيم القرآن،ج6،ص309.
[6] ) نظرية المعرفة،ص31.
[7] ) قاموس المصطلحات الفلسفية (تعريب علي الحاج حسن)،ص49.