دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (6) القيمة المعرفية لبرهان الصديقين

دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (6)

القيمة المعرفية لبرهان الصديقين

إن ما يرد على ما يسمى بـ : (برهان الصديقين) من إشكالات وقيمته المعرفية يمكن تلخيصها إجمالا في أمور :

الأمر الأول :

إن برهان الصديقين لا يعدو عن كونه برهاناً إنياً أي أنه استدلال من المعلول على الخالق جل وعلا (العلة) ؛ لأن مفهوم الوجود لا تحقق له في الخارج ، وإنما هو منتزع من الموجودات ، وهو على أحسن الأحوال لم تختلف قيمته المعرفية عن قانون العلية أي الاستدلال من المعلول (المخلوق) على الخالق سبحانه نظير برهان الإمكان والوجوب وإن اختلفت صياغته وتعددت ألفاظه إذ القيمة المعرفية له تبقى في دلالة المعلول على الواجد له.

وبعبارة أخرى : القول بأن هنالك موجوداً ما ، وأن من مصاديقه موجوداً غير معلول ، هما منتزعان من موجود ما ، وهما من الملازمات التي لا مصداق لها غير موجود ما ،  والوجود هو منتزع من الموجودات (الممكنات) التي شاهدناها وانتزعنا منها مفهوم الوجود  ؛ فلم يخرج برهان الصديقين عن كونه برهاناً إنياً.

وبعبارة أوضح : إن الوجود الذي نستدل به عليه تعالى ليس إلا ما شاهدناه وانتزعناه من (المخلوقات) الممكنات الموجودة ، ولذا يكون الاستدلال عليه – تعالى – بالبرهان الإني الذي هو الاستدلال من المعلول على العلة.

ولذا أُشكل على برهان الصديقين بأنه برهان إني يسير من المعلول إلى العلة ولا ميزة له تميزه عن البرهان الإني ، وهذا ما أشار إليه ملا صدرا من الاعتراض على برهان الصديقين : (قيل عليهم ألستم قد أخذتم في الدليل وجود الممكن لما يشاهد من عدمه بعد وجوده أو قبله)([1]).

ثم ذكر رد المتبنين للبرهان على الإشكال : (فأجابوا بان هذا البرهان غير متوقف إلا على وجود موجود ما فإن كان واجباً فهو المرام وإن كان ممكناً فلا بد أن يستند إلى الواجب)([2]).

وهذا الجواب عين ما ذكره الدواني (ت:908هـ) ولكن بصيغة أخرى : (ليس الاستدلال على وجود الواجب في نفسه بل على انتسابه إلى هذا المفهوم وثبوته له على نحو ما ذكره الشيخ في الاستدلال بوجود المؤلّف على وجود ذي المؤلّف فوجود الواجب في نفسه علة لغيره مطلقاً وانتسابه إلى هذا المفهوم معلول له وقد يكون الشيء علة لشيء وفي وجوده عند آخر معلولاً له)([3]).

إن الاستدلال على وجود الله سواء كان لذات المستدل ، أو لغيره يكون الاستدلال من خلال المعلول أولى وأجلى بما جاء به الفلاسفة ، ولا يغرنك نعته بأنه استدلال بالله عليه فلا واقع لهذا يميزه عن برهان العلة والمعلول على أفضل الأحوال. لأن البرهان اللمي وهو الذي يسلك فيه من العلة إلى المعلول ، ولا علة لمطلق الوجود الشامل للواجب والممكن حقيقةً.

وما ذُكر من أجوبة تخرجه عن البرهان الإني فيها تكلف وتعسف ، ولا وجود حقيقي لها في الخارج ـــ سوى تغيير في الألفاظ لا تبدل من قيمته المعرفية ـــ ولهذا اختار الملا صدرا كون برهان الصديقن من البرهان الشبيه باللمي وأيضاً اختاره عبد الرزاق اللاهيجي السيد الطباطبائي كما يأتي ذكر كلامهم في الأمر السادس إن شاء الله تعالى . وهو أيضاً لا يخلو من تكلف ونظر.

ــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص27.

[2] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص27.

[3] ) سبع رسائل،ص120.

Comments (0)
Add Comment