دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (9) القيمة المعرفية لبرهان الصديقين  الأمر الرابع

دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (9)
القيمة المعرفية لبرهان الصديقين
 الأمر الرابع:

إن العقل مجرداً عن الإيمان المسبق حتى لو سُلِّم بأنه يدرك اشتراك حقيقة الوجود ، للوجود الشديد والضعيف إلا أنه لا يدرك الضعيف يقتضي المعلولية إلى ما به الكمال ، وهذا ما قرره وأشار إليه الملا صدرا : (لا نسلم أن الكمال مقتضي أصل الحقيقة وأن القصور يقتضي المعلولية والافتقار إلى ما هو الكامل فإن لأحد أن يقول لو اقتضى ذات الوجود وحقيقته الواجبية لكان كل وجود واجباً ولو اقتضى الإمكان والفقر لكان الكل ممكناً ولو لم يقتض شيئاً من الوجوب والإمكان لكان كل منهما معللاً بالغير فكان الواجب مفتقراً إلى علة وهو محال وبطلان التوالي بأسرها مستلزم لبطلان المقدم بأقسامه فكون الوجود حقيقة واحده متفاوتة بالكمال والنقص أمر محال)([1]).

وأيضا رده الملا بالإيمان المسبق ـــ الذي ذكرته في الأمر الثالث ـــ ولم يلتفت إلى أن الإسقاطات المسبقة لا شأن لها بإدراك العقل مجرداً عن ذلك.أي أن محل الكلام والإشكال هو في إدراك العقل لاشتراك الوجود ما بين الموجِد والموجَد فيما لو خلي مجرداً عن الإيمان المسبق . بمعنى أن غير المؤمن لا يؤمن ولا يتلفت إلى هكذا فرضيات وصياغات ذهنية بعيدة ، لا يدركها العقل مجرداً عن الإيمان ؛ ولهذا قال الملا هادي السبزواري في تعليقه على تقرير ملا صدرا لبرهان الصديقين : (المقدمات المأخوذة في هذه الحجة وإن كانت شامخة فيها مطالب عاليه إلا أن الاستكشاف عنها في أول الأمر ليس بلازم إذ تصير به كثيرة الدقة عسرة النيل وإن كان لازماً في مقام آخر كمقام البحث عن فياضيته)([2]).

وقد أشار الخواجة الطوسي إلى أن من عرف حقيقة الواجب والممكن عرف أن وجود الممكنات به . أي أن هذا التنظير والتفريع هو بعد المعرفة والاعتقاد ، ولم يكن قبله  : (كل من عرف حقيقة الواجب والممكن كما قلناه عرف بأدنى فكر أنه لو لم يكن في الوجود واجب لم يكن لشيء من الممكنات وجود أصلا ؛ لأن الموجودات حينئذ كلّها تكون ممكنة ، والممكن ليس له من نفسه وجود ولا لغيره عنه وجود ، فلا بد من وجود واجب ليحصل وجود الممكنات منه)([3]).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص17.

[2] ) التعليق على الحكمة المتعالية،ج8،ص16.

[3] ) الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية (للخواجة الطوسي)،ص56.

Comments (0)
Add Comment