دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (10) القيمة المعرفية لبرهان الصديقين  الأمر الخامس:

 

دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (10)
القيمة المعرفية لبرهان الصديقين
 الأمر الخامس:

حتى لو كان برهان الصديقين برهاناً لمياً  ، ولم يكن إنياً إلا أن أحد شقيه إني ، أي كون ذلك الوجود المفروض واجباً بالغير ممكناً مستلزماً للواجب ، كما لو قلنا : هذا ممكن ، وكل ممكن يستلزم الواجب. هو سلوك من المعلول إلى العلة ، وهو مفاد البرهان الإني ، والنتيجة تابعة لأخس المقدمتين (الشقين) فيكون هذا البرهان إنياً . وبعبارة أخرى بعد ما كانت إحدى مقدمتيه إنية لا يمكن عده من البرهان اللمي ، وهذا مما أُشكل به على  برهان الصديقين وأشار إليه ملا صدرا : (ثم استشكلوا في كون البيان برهانا بأن الاحتجاج منحصر في الأني واللمي والواجب تعالى ليس معلولا لشيء أصلا بل هو علة لجميع ما عداه فكل ما يستدل به على وجوده يكون دليلا آنيا)([1]).

وقد ذكر الملا ما أجابوا به إلا أنه لم يرتضه واختار كونه شبيها باللم ، أي ثمة قسم ثالث ، وهو الشبيه باللم ـــ والذي هو سير من أحد المتلازمين العامّين إلى الآخر ـــ:(أجابوا عنه بان الاستدلال بحال مفهوم الموجود على أن بعضه واجب لا على وجود ذات الواجب في نفسه الذي هو علة كل شيء فكون مفهوم الموجود مشتملاً على فرد هو الواجب حال من أحواله التي اقتضاها فالاستدلال بحال تلك الطبيعة المشتركة على أخرى معلولة للحال الأولى([2]) وربما قرروا الجواب بأنه ليس الاستدلال على وجود الواجب في نفسه بل على انتسابه إلى هذا المفهوم وثبوته له على نحو ما ذكره الشيخ في الاستدلال بوجود المؤلف على وجود ذي المؤلف فوجود الواجب في نفسه علة لغيره مطلقاً وانتسابه إلى هذا المفهوم معلول له وقد يكون الشيء في نفسه علة لشيء وفي وجوده عند آخر معلولاً كما حقق في موضعه هذا خلاصه ما أفاده بعض المحققين من أهل البحث . وفيه ما لا يخفى من التكلف([3])

والحق كما سبق أن الواجب لا برهان عليه([4])  بالذات بل بالعرض([5]) وهناك برهان شبيه باللمي)([6]).

وعند انتفاء كون برهان الصديقين برهاناً لمياً ينتفي وجه تفضيله على سائر البراهين المقامة على إثبات الخالق جل وعلا ، ومن عده أفضل البراهين ونحو ذلك من المبالغات في هذا البرهان الفلسفي . والتي لا واقع ولا دلالة تشهد بأحقيتها عند التأمل والتدقيق جيداً.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص27.

[2] ) علَّق عليه السيد الطباطبائي في حاشيته على الأسفار بأن تلك الطبيعة ملازمة للحال الأولى لا معلولة لها : (الحق أنها ملازمة للحال الأولى لا معلولة لها ولا هما معلولتا علة ثالثه لأنهما من اللوازم العامة المساوية للوجود ولا علة له). الحكمة المتعالية،ج8،ص28.

[3] ) بيَّن الملا هادي السبزواري في حاشيته على الأسفار أوجه ذلك التكلف : (أما أولاً فلأنه لم يكن البرهان حينئذ لمياً بل مصحوب اللم .وأما ثانياً فلأنه يجرى في سائر الطرق مثلاً يقال استدل بحال مفهوم المحدث وإنه ذو فرد حادث محتاج إلى العلة على حال أخرى له وهو إنه ذو فرد غير حادث هو الواجب لا على ذات الواجب وكذا الاستدلال بحال مفهوم المحرك وهو كونه ذا فرد متحرك محتاج إلى محرك آخر غيره على حال أخرى له وهو كونه ذا فرد غير متحرك هو الواجب لا على ذات الواجب وأما ثالثاً فلأن الاستدلال بوجود المؤلف على وجود ذي المؤلف ليس بأدنى من عكسه ولا من استنادهما إلى علة ثالثه هي الواجب فالحق أن يقال إن الشيخ وهؤلاء وكذا من قال إن كون العالم مصنوعاً ومجعولاً وعلة لكون الواجب صانع العالم لا لذاته المتعالية ومرواً إلى مقام ظهور الحق تعالى على الأشياء فإن له تعالى ظهوراً في مقام ذاته وهو ظهوره بذاته على ذاته وهو عين مقام الخفاء على مخلوقاته وظهوراً على ما عدا ذاته في مقام فعله وهو الظهور في مظاهر ذاته ومجالي صفاته).الحكمة المتعالية،ج8،ص28

[4] ) وعلَّق عليه السيد الطباطبائي بأن البرهان الذي لا يمكن إقامته على الله تعالى هو البرهان اللمي : (المراد بالبرهان البرهان المصطلح عليه في الفلسفة وهو البرهان اللمي وهو الذي يسلك فيه من العلة إلى المعلول إذ لا علة لمطلق الوجود الشامل للواجب والممكن المبحوث عنه في الفلسفة وليس المراد به ما هو مصطلح المنطقي الشامل للآني واللمي كيف وجميع البراهين المستعملة في الفلسفة ومنها القائمة على وجود الواجب براهين آنية كما عرفت فيسلك فيها من بعض لوازم الوجود ككونه حقيقة ثابتة بذاتها أو علة أولى إلى بعض آخر ككونه واجبا لذاته والدليل على إرادة ما ذكرنا قوله وهناك برهان شبيه باللمي فقد اعترف بوجود برهان هناك ونفى عنه اللمية ولا يبقى حينئذ إلا الآني).الحكمة المتعالية،ج8،ص29.

[5] ) من حواشي ملا هادي السبزواري على الأسفار : (له معنيان أحدهما ما ذكرنا من الاستتباع واللزوم في توجيه كلامهم وثانيهما أنه كما أن وجود الجوهر جوهر بالعرض ووجود العرض عرض بالعرض لماهيتهما كذلك البرهان على الوجود).الحكمة المتعالية،ج8،ص29

[6] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص27.من حواشي الملا هادي السبزواري : (هذا وجه آخر غير ما ذكر مما بالعرض إذ في الأول التزم انه برهان لمي إلا أنه على حال مفهوم الموجود أو على وجوده تعالى الرابطي بالذات وعلى وجوده النفسي بالعرض وفي الثاني لا يلتزم أنه برهان لمى بل شبيه باللمي لكن على أنه فوق اللمي لا أنه دونه أما انه ليس بلمي حقيقة فهو ظاهر إذ ليس هو تعالى معلولاً وأما أن الاستدلال من حقيقة الوجود على الوجوب فوق اللم فلأن كل لم مستعير في الإنارة من نور حقيقة الوجود).

Comments (0)
Add Comment