الشيخ محمد تقي الشريعتمدار ينقلب على أصحاب مدرسة الحكمة المتعالية!
إن الشيخ محمد تقي الشريعتمدار الذي حضر دروس الفلسفة والتصوف عند المعروفين في زمانه مثل أبي الحسن الشعراني ، وأبي الحسن الرفيعي القزويني ، ومرتضى مطهري ، وأثنى عليه الأخير . قد تنبه لمخاطر هذه الاتجاهات ، وأقر بأن : (بسيط الحقيقة كل الأشياء) من التفكر في الذات : (كنت في عنفوان شبابي ساعياً في طلب المعارف مجداً في تحصيلها عن الأدلة الشافية والبراهين الكافية وقد كان اشتهر علماء الفلسفة بالعقل والتحقيق والاستدلال والتدقيق ولم يوجد في علماء الدين من يدرس أصول الدين ومعارفها بالآيات والروايات المأثورة عن المعصومين عليهم السلام والتدبر فيها والاستنباط عنها فكان قد خلا الجو لأهل الفلسفة ولم يكن بد لمن يطلب البرهان إلا أن يعكف على أبوابهم و يشرب من مشاربهم. فحضرت درس جماعة من أساتذة ذلك الفن مثل الأستاذ البارع الحاج ميرزا أبو الحسن الشعراني وآية الله السيد أبو الحسن الرفيعي القزويني والمتوغل في العرفان الحاج ميرزا مهدي الآشتياني .
والذي كان أكثر استفاداتي منه هو الأستاذ الشهيد والفيلسوف المفكر الشيخ مرتضى المطهري تغمده الله بعفوه ومغفرته فكان يدرّس في المدرسة العلمية مدرسة المروى شرح المنظومة للسبزواري . فحضرت درسه واستعذبت بيانه و تقريره فكتبت ما ألقاه و قيّدت بالكتابة ما اصطفاه ثم عرضت عليه ما جمعته فاستصوبه وارتضاه وأطرى عليّ. ثم إني تنبهت بلطف الله وهدايته أن كثيراً من مطالبهم لا يلائم ظواهر الآيات والروايات القطعية فيلتجئون إلى تأويلها وتطبيقها على ما اعتقدوه فشككت في صحة قواعدهم وأصولهم سيما مع تذكر أن شرعنا مستقل بإقامة الأدلة والبيان ويتطلب التعقل والتفكر والإتيان بالبرهان فيذم أقواماً اتبعوا آبائهم واقتدوا بهم من غير هدى ولا علم فقال تعالى : [قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ]. وقال عزّ من قائل : [قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا]. وقال عزّ شأنه:[إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذينَ لا يَعْقِلُون]. ويمدح الذين يتفكرون في آيات الله ويتدبرون فيها، فعلمت أن من المحال أن لا ينصب مثل هذا الدين دليلاً على مقاصده ولا يقيم برهاناً على مطالبه أو يكون دليلٌ أسدّ من دلائله وبرهان أتقن من براهينه أهمله الكتاب ومعلّموه واستنبطه غيرهم . فأعدت النظر في المعارف وأدلتها وعرفت مواضع الخلل في كلمات أهل الفلسفة وقد ألهمت بفضل الله دقائق في رد أصولهم فأثبتها ذيل ما قرره الأستاذ في تحكيم مبانيهم . ثم إني أتعجب كثيراً من جماعة من العلماء الأتقياء مالوا إلى بعض مطالبهم وإن صرحوا ببطلان بعضها الآخر. فزعموا صحة القول بالوحدة المشكّكة للوجود وإن أبطلوا القول بالوحدة المحضة وقد انجذبوا إلى القول بالوحدة انجذاباً شديداً حتى أغمضوا عن زلات مبدعه وقالوا أنه لا يجازف في القول مع تفوهه بخلاف صريح القرآن الكريم كثيرا …فلننبهك على أمور :الأول : أن إحاطة الله تعالى بكل شيء وقيوميته المطلقة وأنه لا يجري في ملكه إلا ما أذن وأن لا حول ولا قوة إلا به وأمثال هذه المطالب مما لا ريب فيه وقد تعلمنا هذه الحقائق من القرآن الكريم وروايات الأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين لكنّا لا نعرف كيفية هذه الإحاطة والقيومية ولا نقول أنها بالسريان أو الاتحاد والعينية فلا نقول (أنه خلق الأشياء وهو عينها) ولا نعدو العبارات التي صدرت عن الأئمة الهداة الدعاة والقادة الهداة والسادة الولاة… وبقية الله وخيرته وحزبه وعيبة علمه وحجته وصراطه ونوره وبرهانه.وكيف نعدو تعاليمهم وقد جعلهم الله حججاً على عباده وحفظة لسره وخزنة لعلمه ومستودعاً لحكمته وتراجمة لوحيه وأركاناً لتوحيده . فنحن نسلم لهم حيث قالوا : لا تتكلموا في ذات الله وإذا انتهى الكلام إلى الله فأمسكوا. فكيف نجترأ أن نقول : (بسيط الحقيقة كل الأشياء) . وبالجملة معرفتنا بالله تعالى معرفة إجمالية . نعلم إحاطته تعالى بكل شيء ومعيته مع كل شيء ولكن لا نعلم كيفية ذلك ، كما نعلم أن الجبر باطل والتفويض باطل، ولا نتكلف تعيين المنزلة بين المنزلتين ولكن نؤمن بها إجمالاً([1]).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ) تقريرات شرح المنظومة لمطهري مع تعليق الشريعتمداري،المجلد الأول،ص13.وله كلام طويل في ذلك يعرب فيه عن جملة من متبنيات الفلاسفة والصوفية الباطلة وكيف أنهم أولوا النصوص لأجل تأييدها ونحو ذلك.