(22) س : ما معنى خلق الله الأشياء بالمشيئة وهل ينسجم مع قاعدة الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد؟
ج : روي عن الإمام الصادق عليه السلام : (خلق الله المشيئة بنفسها ثم خلق الأشياء بالمشيئة)([1]). إن هذا الخبر من الأخبار الغامضة المبهمة ـــ ولهذا يقول العلامة المجلسي فيه : (هذا الخبر الذي هو من غوامض الأخبار يحتمل وجوهاً من التأويل)([2]) ـــ ولا دلالة فيه بينة ؛ فلا بد من الرجوع إلى سائر النصوص في معرفة معناه ، وإلا من غير الرجوع إليها لا نهتدي إلى شيء من معناه ، وعند الرجوع للأخبار نجد أن المروي في الأخبار في معنى المشيئة هو الهم في الشيء ، كما روى البرقي في المحاسن أن الإمام الرضا عليه السلام قال ليونس مولى علي بن يقطين : أتدري ما المشية ؟ فقال : لا ، فقال : همه بالشيء ، أو تدري ما أراد ؟ قال : لا ، قال : إتمامه على المشية ، فقال : أو تدرى ما قدر ؟ قال : لا ، قال : هو الهندسة من الطول والعرض والبقاء ، ثم قال : إن الله إذا شاء شيئاً أراده ، وإذا أراده قدره ، وإذا قدره قضاه ، وإذا قضاه أمضاه([3]).
فقد دل قوله عليه السلام في تعريف المشيئة : (همه بالشيء) بأنها فعل مخلوق لله تعالى يخلق بها الأشياء ، وهي مرتبة من مراتب الفعل متقدمة على : (الإرادة) ، كما دل الخبر على ذلك في موضعين : (أو تدري ما أراد ؟ قال : لا ، قال : إتمامه على المشية) (إن الله إذا شاء شيئاً أراده) .
والعلامة المجلسي احتمل وجوهاً للخبر إذ يقول : (الأول : أن لا يكون المراد بالمشيئة الإرادة بل إحدى مراتب التقديرات التي اقتضت الحكمة جعلها من أسباب وجود الشيء كالتقدير في اللوح مثلاً والإثبات فيه ، فإن اللوح وما أثبت فيه لم يحصل بتقدير آخر في لوح سوى ذلك اللوح ، وإنما وجد سائر الأشياء بما قدر في ذلك اللوح ، وربما يلوح هذا المعني من بعض الأخبار كما سيأتي في كتاب العدل ، وعلى هذا المعنى يحتمل أن يكون الخلق بمعنى التقدير . الثاني : أن يكون خلق المشيئة بنفسها كناية عن كونها لازمة لذاته تعالى غير متوقفة على تعلق إرادة أخرى بها فيكون نسبة الخلق إليها مجازاً عن تحققها بنفسها منتزعة عن ذاته تعالى بلا توقف على مشيئة أخرى ، أو أنه كناية عن أنه اقتضى علمه الكامل وحكمته الشاملة كون جميع الأشياء حاصلة بالعلم بالأصلح فالمعنى أنه لما اقتضى كمال ذاته أن لا يصدر عنه شيء إلا على الوجه الأصلح والأكمل فلذا لا يصدر شيء عنه تعالى إلا بإرادته المقتضية لذلك … فنقول : إنه لما كان ههنا مظنة شبهة هي أنه إن كان الله عز وجل خلق الأشياء بالمشيئة فبم خلق المشيئة أبمشيئة أخرى ؟ فيلزم أن تكون قبل كل مشيئة مشيئة إلى مالا نهاية له فأفاد الإمام عليه السلام أن الأشياء مخلوقة بالمشيئة ، وأما المشيئة نفسها فلا يحتاج خلقها إلى مشيئة أخرى بل هي مخلوقة بنفسها لأنها نسبة وإضافة بين الشائي والمشيء تتحصل بوجوديهما العيني والعلمي ، ولذا أضاف خلقها إلى الله سبحانه لأن كلا الوجودين له وفيه ومنه ، وفي قوله عليه السلام : بنفسها دون أن يقول : بنفسه إشارة لطيفة إلى ذلك ، نظير ذلك ما يقال : إن الأشياء إنما توجد بالوجود فأما الوجود نفسه فلا يفتقر إلى وجود آخر بل إنما يوجد بنفسه … والأوفق بأصولنا هو الوجه الأول كما سيظهر لك في كتاب العدل)([4]).
وشرحه السيد الخوئي بمعنى خلق الأشياء حسب إعمال قدرته : (ورد في بعض الروايات (إن اللّه خلق الأشياء بالمشيئة وخلق المشيئة بنفسها) بمعنى أنه خلق الأشياء حسب إعمال قدرته ، أما إعمال قدرته فلم تكن بإعمال قدرة أخرى وإلا لتسلسل)([5]).
ومما روي في الأخبار من تعريف للمشيئة وبيانها : عن معلى بن محمد قال : سُئل العالم عليه السلام كيف علم الله ؟ قال : (علم وشاء وأراد وقدر وقضى وأمضى ، فأمضى ما قضى ، وقضى ما قدر ، وقدر ما أراد ، فبعلمه كانت المشيئة ، وبمشيئته كانت الإرادة ، وبإرادته كان التقدير ، وبتقديره كان القضاء ، وبقضائه كان الإمضاء ، والعلم متقدم على المشيئة ، والمشيئة ثانية ، والإرادة ثالثة ، والتقدير واقع على القضاء بالإمضاء . فلله تبارك وتعالى البداء فيما علم متى شاء ، وفيما أراد لتقدير الأشياء ، فإذا وقع القضاء بالإمضاء فلا بداء ، فالعلم في المعلوم قبل كونه ، والمشيئة في المنشأ قبل عينه ، والإرادة في المراد قبل قيامه ، والتقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها وتوصيلها عياناً ووقتاً ، والقضاء بالإمضاء هو المبرم من المفعولات ، ذوات الأجسام المدركات بالحواس من ذوي لون وريح ووزن وكيل وما دب ودرج من إنس وجن وطير وسباع وغير ذلك مما يدرك بالحواس . فلله تبارك وتعالى فيه البداء مما لا عين له ، فإذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بداء ، والله يفعل ما يشاء ، فبالعلم علم الأشياء قبل كونها ، وبالمشيئة عرف صفاتها وحدودها وأنشأها قبل إظهارها ، وبالإرادة ميز أنفسها في ألوانها وصفاتها ، وبالتقدير قدر أقواتها وعرف أولها وآخرها ، وبالقضاء أبان للناس أماكنها ودلهم عليها ، وبالإمضاء شرح عللها وأبان أمرها وذلك تقدير العزيز العليم)([6]).
وروي عن الإمام الرضا عليه السلام : يا يونس تعلم ما المشيئة ؟ قلت : لا ، قال : هي (الذكر الأول)([7]).
وقد روي في خبر عن الإمام الرضا عليه السلام أن الإبداع والمشيئة والإرادة معناها واحد : (اعلم أن الإبداع والمشيئة والإرادة معناها واحد وأسماؤها ثلاثة)([8]).
والمشيئة من صفات الأفعال وليست أزلية من صفات الذات كما روي في عدة أخبار :
عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال : (المشيئة محدثة)([9]).
وروى الشيخ الصدوق عن الإمام الرضا عليه : (المشية والإرادة من صفات الأفعال ، فمن زعم أن الله تعالى لم يزل مريداً شائياً فليس بموحد)([10]).
والخبر المتقدم عن الإمام الرضا عليه السلام : (الإبداع والمشيئة والإرادة معناها) يدل على كونها من صفات الأفعال أيضاً .
وبعد ذلك اتضح أن تصور كون المشيئة مخلوقة محدثة في الخارج من خلال خبر : (خلق الله المشيئة بنفسها ثم خلق الأشياء بالمشيئة) ثم فرَّع الله تعالى الخلق منه بصورة طولية يتناسب مع قاعدة الواحد ، ولا يمكنه تعالى إلا أن يخلق بصورة طولية لا يقول به إلا عديم الباع والنظر في مبحث الأسماء والصفات. بل لو أن الله تعالى خلق مخلوقاً ثم فرَّع الخلق منه فإن هذا بحد ذاته لا يدل على صحة قاعدة الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد ؛ لأن خلق مخلوق ما وتفريع الخلق منه أقصى ما يدل عليه هو الخلق بصورة طولية ، ولا يدل على عدم إمكان خلق الله تعالى الخلق بصورة عرضية كما هو مفاد قاعدة الواحد فيتطلب التنبه جيداً والتفريق بين الأمرين .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ) أصول الكافي،ج1،ص110.
[2] ) بحار الأنوار،ج4،ص145.
[3] ) المحاسن،ج1،ص244.
[4] ) بحار الأنوار،ج4،ص145ـ147.
[5] ) مصابيح الأصول،ص194.
[6] ) أصول الكافي،ج1،ص148.
[7] ) أصول الكافي،ج1،ص158.
[8] ) عيون أخبار الرضا،ج1،ص154.
[9] ) أصول الكافي،ج1،ص110.
[10] ) التوحيد،ص338.