(94) س : هل تفسير تسنيم هو تفسير للقرآن بالقرآن؟
ج : قد ذكر مصنفه في مقدمة الجزء الأول أنه من تفسير القرآن بالقرآن . ولكن تفسير القرآن بالقرآن إن كان مروياً عن أهل البيت (عليهم السلام) نأخذ به . وما صدر عن سواهم لا يعدو عن كونه آراءً واحتمالاتٍ لا يعتد بها ، ولا يمكن التعويل على شيء منها .
وتفسير تسنيم مملوء بمعتقدات الفلاسفة والصوفية مبثوثة في مواضع متعددة . ولكن الكثير من الخواص فضلاً عن غيرهم لم يعرفوا تلك المتبنيات ، لأن أهل الفلسفة والعرفان ادخلوا أذواقهم الفلسفية والعرفانية في معارف الشيعة فلا يعرفها إلا الخبير ، ولا يميزها إلا البصير كما يقول الشيخ أبو جعفر الخراساني (ت:1397هـ) : (إن أهل الفلسفة والعرفان ممن يتظاهر بالتشيع ويسمى عند عامة الناس بالشيعة ، ادخلوا أذواقهم الفلسفية والعرفانية في معارف الشيعة ، وخلطوها بها خلطاً فلا يعرفها إلا الخبير ، ولا يميزها إلا البصير . فاتخذتها الشيعة منهم ، وصيرتها من جملة عقائدهم ، جهلا منهم بحقيقة الحال ، وظنا منهم بوحدة المقال)([1]).
وخذ على سبيل المثال من المعتقدات الصوفية في تسنيم هو معتقد ومصطلح (الإنسان الكامل) الذي تعود جذوره إلى المتقدمين من الصوفية مثل الحلاج ، ومن ثم برز بشكل واضح وجلي عند ابن عربي ، ومن بعده عبد الكريم الجيلي . ويُعتبر (الإنسان الكامل) لدى الصوفية من المعتقدات الأساسية . والتي تتفرع وتترتب عليها خصائص ومزيا الإنسان الكامل؛ولهذا كتب فيه عرفاء الشيعة أبحاثاً مستقلة ، وقد أطنب جوادي في تفسيره ، وتناوله من خلال حيثيات متعددة في الجزء الثالث تحت هذه العناوين :
دائرة خلافة الإنسان الكامل.ج3،ص127
عدم إمكان انفصال الخلافة عن الإنسان الكامل.ج3،ص142
محورية الإنسان في المدينة الفاضلةج3،ص،155
مصاديق الإنسان الكامل وخليفة الله. ج3،ص168
القاعدة الأساسية لكمالات الإنسان الكامل،ج3،ص224
الأحكام المختلفة لدرجة الإنسان الكامل.ج3،ص235
الأفضلية المطلقة للإنسان الكامل على الملائكة.ج3،ص292
خضوع الملائكة أمام الإنسان الكامل.ج3،ص348
والكثير ممن يطالعون هذه العناوين يحسبونها أبحاثاً قرآنية أو كلامية وغير ذلك!ولم يعرفوا في أي معتقد من معتقدات التصوف يتكلم.ولهذا السب تجد البعض يعترض على انتقاد (تسنيم) لأنه لا يعرف الأبحاث الصوفية فيه.
وقد تبنى جوادي (الإنسان الكامل) في كتاب : (نداء التوحيد) حيث يقول : (لقب الشيخ يُطلق على الإنسان الكامل الذي وصل في علوم الشريعة والطريقة والحقيقة إلى حد تكميل الآخرين)([2]).
والصوفية بما فيهم عرفاء الشيعة لا يقصدون من الإنسان الكامل الأنبياء والأئمة عليهم السلام وإنما يعم الولي والقطب عندهم وذلك واضح جلي لمن خبُرَ مصنفات القوم.
والسيد محمد علي باقري رحمه الله ــ كان من طلبة السيد الخوئي ــ نوه إلى أن كتب جوادي بما فيها تفسيره يغلب عليها طابع الفلسفة والتصوف : (له تفسير بالفارسي سماه تسنيم خرج منه إلى الآن ستة أجزاء ضخام ولم يكمل تفسيره سورة البقرة ، وله كتب أخرى في أبواب مختلفة يطغي على جميعها طابع العرفان النظري والحكمة المتعالية)([3]).
وجوادي بدأ تفسيره قبل أكثر من ثلاثة عقود في الوقت الذي كان فيه العرفان رائجاً مقبولاً لدى الشيعة ، ولم يعرف أغلبهم أن العرفان الشائع هو التصوف بعينه ولم يختلف عن حقيقته . ولو أنه كتبه في هذا الزمان لربما حذف منه الكثير من أبحاث التصوف ، ولما تجرأ على نثر أشعار المثنوي في تفسيره ، ولربما لم يصرح حتى بأسماء مصنفي الصوفية ــ لاسيما ابن عربي ــ الذين ذكرهم كثيراً في أجزاء تفسيره.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ) هداية الأمة إلى معارف الأئمة،ص3.
[2] ) نداء التوحيد،ص97.
[3] ) مذكرات في العرفان والتصوف،ج1،ص103.