دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (21)

دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (21)

تأويل النصوص لإثبات برهان الصديقين

إن بعض النصوص في الآيات والروايات وفقرات الأدعية والزيارات مجملة لا دلالة بيِّنة فيها فيُلتجأ في تفسيرها إلى ما يكتنفها من الفقرات في ذات النص ، أو يُستعان على تفسيرها من خلال سائر النصوص . وأما صرف النصوص المجملة إلى متبنيات مسبقة فليس من التفسير في شيء وإنما من التأويل لصرف النصوص وليِّها في تأييد تلك المتبنيات . 

وهذا ما حدث بشكل واضح فيما يسمى بـ : (برهان الصديقين) حيث عدوه من معرفة الله بالله من غير شاهد يُلتمس له من النصوص ولا دلالة توحي منها عليه ، وطبقوا النصوص التي تتحدث عن معرفة الله بالله عليه مع أن النصوص لا تنطبق على المعنى المذكور لبرهان الصديقين .

ولا يُغيِّر تسميتُه وعَدُّه من معرفة الله بالله من واقعه ومعناه وإن تأولوا النصوص لذلك.وإليك النصوص التي أولوها وحسبوها تدل عليه:

1 ــ على كل شيء شهيد :

قد استدلوا على برهان الصدقين بقوله تعالى :[أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ]([1]) . وقد استدل ابن سينا عليه بالآية المباركة إذ يقول (هذا الباب أوثق وأشرف ، أي : إذا اعتبرنا حال الوجود فشهد به الوجود من حيث هو وجود ، وهو يشهد بعد ذلك على سائر ما بعده في الوجود . وإلى مثل هذا أشير في الكتاب الإلهي : [سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ]([2]).

ثم سار بعد ذلك مُقلّدة ابن سينا في الاستدلال عليه بنفس الآية المباركة !

إن ظاهر الآية بل صريحها يدل على أنه تعالى عليم بالأشياء شاهد لجميعها لا يغيب عنه شيء ، ولا دلالة للآية المباركة على المعنى المذكور لبرهان الصديقين ،  وما ذُكر له من صياغاتٍ متعددة.

2 ــ  (يا من دل بذاته على ذاته) :

 

إن من ضمن ما استُدل به على برهان الصديقين هذه الفقرة المروية عن أمير المؤمنين عليه السلام في دعاء الصباح . وهذه الفقرة في دعاء الصباح تشبه ما ورد في دعاء أبي حمزة الثمالي : (بك عرفتك) التي توضحها الفقرات التالية لها : (وأنت دللتني عليك ودعوتني إليك ولولا أنت لم أدرِ ما أنت)

أما كيفية الدلالة بالذات على الذات وكيف أن الله تعالى دل عليه فلا بد من استحضار قوله تعالى : [سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ] والرؤية في الآفاق تعني انتظام الكون وما فيه من عجائب الصنع والرؤية الأنفسية لما في النفس الإنسانية من دلائل وعلامات على عظيم خالقها.

وقد روي في تفسير القمي : (معنى في الآفاق الكسوف والزلازل وما يعرض في السماء من الآيات، وأما في أنفسهم فمرة بالجوع ومرة بالعطش ومرة يشبع ومرة يروى ومرة يمرض ومرة يصح ومرة يستغني ومرة يفتقر ومرة يرضى ومرة يغضب ومرة يخاف ومرة يأمن فهذا من عظيم دلالة الله على التوحيد)([3]).

 أي أن الله تعالى دل بذاته على ذاته من خلال انتظام الخلق وعظيم الصنع في الكون والخلق ؛ فلا دلالة فيها على برهان الصديقين.

3 ــ (بك عرفتك وأنت دللتني عليك) :

قد استدلوا بهذه النص المروي عن الإمام السجاد عليه السلام في دعاء أبي حمزة الثمالي ، وقد تقدم الكلام فيه عند فقرة : (يا من دل بذاته على ذاته) وأنه لا دلالة فيه على معنى برهان الصديقين .

4 ــ فعرفوه به :

روي في تحف العقول أن الإمام الصادق عليه السلام سُئل : كيف سبيل التوحيد ؟ قال عليه السلام . باب البحث ممكن وطلب المخرج موجود إن معرفة عين الشاهد قبل صفته ومعرفة صفة الغائب قبل عينه . قيل : وكيف نعرف عين الشاهد قبل صفته ؟ قال عليه السلام : تعرفه وتعلم علمه وتعرف نفسك به ولا تعرف نفسك بنفسك من نفسك . وتعلم أن ما فيه له وبه كما قالوا ليوسف : إنك لأنت يوسف . قال : أنا يوسف وهذا أخي . فعرفوه به ولم يعرفوه بغيره ولا أثبتوه من أنفسهم بتوهم القلوب([4]).

فاستدلوا من خلال قوله عليه السلام : (فعرفوه به ولم يعرفوه بغيره) على معرفة الله بالله وأنه يدل على برهان الصديقين . ولا ننفي معرفة الله بالله ، وإنما المراد بها معرفة الله من خلال أسمائه وصفاته ومما عرف به نفسه فلا تدل معرفة الله بالله على ما ذهبوا به لمعنى برهان الصديقين.

5 ـــ كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك:

روي عن الإمام الحسين عليه السلام في تتمة دعاء عرفة : (كَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ بِمَا هُوَ فِي وُجُودِهِ مُفْتَقِرٌ إِلَيْكَ أَيَكُونُ لِغَيْرِكَ مِنَ الظُّهُورِ مَا لَيْسَ لَكَ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُظْهِرَ لَكَ)([5]).

إن هذه الفقرات من الدعاء لا تدل على المعنى المذكور لبرهان الصديقين، وليست ثمة دلالة صريحة عليه أو يمكن أن يُستظهر منها ، سوى كون وجوده تعالى أظهر من سواه ، لأن هذه الفقرات مجملة ولا يوجد فيها معنى واضح ، أو يمكن أن يُستظهر منها ، أي لا تدل على برهان الصديقين ولا على غيره . ولكن فقرة : (كَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ بِمَا هُوَ فِي وُجُودِهِ مُفْتَقِرٌ إِلَيْكَ) لا تنفي الاستدلال من المعلول على الخالق سبحانه ؛ لأن هذا أمر واضح في القرآن والحديث ، وهو وارد بكثرة ولا مجال لنفيه . وإنما يحتمل أنه أريد من خلالها المعنى الآخر ، أو قل الموضح لها هو الفقرة التي بعدها : (أَيكونُ لِغَيرِكَ مِنَ الظُهورِ ما لَيسَ لَكَ حَتّى يكونَ هُوَ الْمُظْهِرُ لَكَ).

ويمكن أن يستظهر منها مضافاً للمعنى المتقدم ــ هو أن وجوده تعالى أبين من سواه ــ هو كونه تعالى أظهر من كل شيء لأن كل شيء في الوجود يدل عليه أي من حيث افتقار خلقه إليه ودلالاتهم عليه هو أظهر من خلقه.

فلا تصلح فقرات الدعاء في الاستدلال على شيء منها على برهان الصديقين كما ادعي.

6 ــ اعرفوا الله بالله :

 روي عن الإمام الصادق عليه السلام : قال أمير المؤمنين عليه السلام : (اعرفوا الله بالله والرسول بالرسالة وأولي الأمر بالأمر بالمعروف والعدل والإحسان)([6]) .

وقد بيَّن معناه الشيخ الكليني حيث يقول : (معنى قوله عليه السلام : اعرفوا الله بالله يعني أن الله خلق الأشخاص والأنوار والجواهر والأعيان ، فالأعيان : الأبدان ، والجواهر : الأرواح ، وهو عز وجل لا يشبه جسما ولا روحا وليس لأحد في خلق الروح الحساس الدراك أمر ولا سبب ، هو المتفرد بخلق الأرواح والأجسام فإذا نفى عنه الشبهين : شبه الأبدان وشبه الأرواح فقد عرف الله بالله وإذا شبهه بالروح أو البدن أو النور فلم يعرف الله بالله)([7]).

ويؤيد ما ذكره الشيخ الصدوق ويدل عليه ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام : (اسم الله غيره ، وكل شيء وقع عليه اسم شيء فهو مخلوق ما خلا الله فأما ما عبرته الألسن أو عملت الأيدي ، فهو مخلوق ، والله غاية من غاياته والمغيى غير الغاية ، والغاية موصوفة وكل موصوف مصنوع وصانع الأشياء غير موصوف بحد([8]) مسمى ، لم يتكون فيعرف كينونيته بصنع غيره ، ولم يتناه إلى غاية إلا كانت غيره ، لا يزل([9]) من فهم هذا الحكم أبداً ، وهو التوحيد الخالص ، فارعوه وصدقوه وتفهموه بإذن الله من زعم أنه يعرف الله بحجاب أو بصورة أو بمثال فهو مشرك لأن حجابه ومثاله وصورته غيره وإنما هو واحد متوحد فكيف يوحده من زعم أنه عرفه بغيره،وإنما عرف الله من عرفه بالله ، فمن لم يعرفه به فليس يعرفه ، إنما يعرف غيره ، ليس بين الخالق والمخلوق شيء ، والله خالق الأشياء لا من شيء كان ، والله يسمى بأسمائه وهو غير أسمائه والأسماء غيره)([10]).

ويقول الشيخ الصدوق في بيان معناه : (القول الصواب في هذا الباب هو أن يقال : عرفنا الله بالله لأنا إن عرفناه بعقولنا فهو عز وجل واهبها ، وإن عرفناه عز وجل بأنبيائه ورسله وحججه عليهم السلام فهو عز وجل باعثهم ومرسلهم ومتخذهم حججاً ، وإن عرفناه بأنفسنا فهو عز وجل محدثها ، فبه عرفناه ، وقد قال الصادق عليه السلام : ( لولا الله ما عرفنا  ولولا نحن ما عرف الله) ومعناه لولا الحجج ما عرف الله حق معرفته ، ولولا الله ما عرف الحجج)([11]).

وقال الفيض الكاشاني في شرحه  : (قوله عليه السلام (اعرفوا اللَّه بالله) معناه انظروا في الأشياء إلى وجوهها التي إلى اللَّه سبحانه بعد ما أثبتم أن لها رباً صانعاً .فاطلبوا معرفته بآثاره فيها من حيث تدبيره لها وقيوميته إياها وتسخيره لها وإحاطته بها وقهره عليها حتى تعرفوا اللَّه بهذه الصفات القائمة به ولا تنظروا إلى وجوهها التي إلى أنفسها أعني من حيث أنها أشياء لها ماهيات لا يمكن أن توجد بذواتها بل مفتقرة إلى موجد يوجدها فإنكم إذا نظرتم إليها من هذه الجهة تكونوا قد عرفتم اللَّه بالأشياء فلن تعرفوه إذن حق المعرفة فإن معرفة مجرد كون الشيء مفتقراً إليه في وجود الأشياء ليست بمعرفة في الحقيقة على أن ذلك غير محتاج إليه لما عرفت أنها فطرية بخلاف النظر الأول فإنكم تنظرون في الأشياء أولاً إلى اللَّه عز وجل وآثاره من حيث هي آثاره ثم إلى الأشياء وافتقارها في أنفسها فإنا إذا عزمنا على أمر مثلاً وسعينا في إمضائه غاية السعي فلم يكن علمنا أن في الوجود شيئاً غير مرئي الذات يمنعنا عن ذلك ويحول بيننا وبين ذلك . وعلمنا أنه غالب على أمره وأنه مسخر للأشياء على حسب مشيته ومدبر لها بحسب إرادته وأنه منزه عن صفات أمثالنا وهذه صفات بها يعرف صاحبها حق المعرفة فإذا عرفنا اللَّه عز وجل بهذا النظر فقد عرفنا اللَّه بالله وإلى مثل هذه المعرفة أشير في غير موضع من القرآن المجيد بالآيات حيث قيل [إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ]([12]). وأمثال ذلك من نظائره)([13]).

والعلامة المجلسي ذكر للخبر وجوهاً أشار إليها بعض الأفاضل كما نوه لذلك في خاتمة كلامه : (اعلم أن هذه الأخبار لاسيما هذا الخبر تحتمل وجوهاً : الأول أن يكون المراد بالمعرف به ما يعرف الشيء به بأنه هو هو ، فمعنى اعرفوا الله بالله ، اعرفوه بأنه هو الله مسلوباً عنه جميع ما يعرف به الخلق من الجواهر والأعراض ومشابهة شيء منها ، وهذا هو الذي ذكره الكليني (ره) وعلى هذا فمعنى قوله والرسول بالرسالة ” إلخ ” معرفة الرسول بأنه أرسل بهذه الشريعة ، وهذه الأحكام ، وهذا الدين وهذا الكتاب ومعرفة كل من أولي الأمر بأنه الآمر بالمعروف والعالم العامل به ، وبالعدل أي لزوم الطريقة الوسطى في كل شيء والإحسان أي الشفقة على خلق الله والتفضل عليهم ، ورفع الظلم عنهم ، أو المعنى اعرفوا الله بالله ، أي بما يناسب ألوهيته من التنزيه والتقديس ، والرسول بما يناسب رسالته من العصمة والفضل والكمال ، وأولي الأمر بما يناسب تلك الدرجة القصوى به من العلم والعصمة والفضل والمزية على من سواه ، ويحتمل أن يكون الغرض ترك الخوض في معرفته تعالى ورسوله وحججه بالعقول الناقصة فينتهي إلى نسبة ما لا يليق به تعالى إليه وإلى الغلو في أمر الرسول والأئمة صلوات الله عليهم ، وعلى هذا يحتمل وجهين : الأول أن يكون المراد اعرفوا الله بعقولكم بمحض أنه خالق إله والرسول بأنه رسول أرسله الله إلى الخلق ، وأولي الأمر بأنه المحتاج إليه لا قامة المعروف والعدل والإحسان ، ثم عولوا في صفاته تعالى وصفات حججه عليهم السلام على ما بينوا ووصفوا لكم من ذلك ولا تخوضوا فيها بعقولكم . والثاني : أن يكون المعنى : اعرفوا الله بما وصف لكم في كتابه وعلى لسان نبيه ، والرسول بما أوضح لكم من وصفه في رسالته إليكم ، والإمام بما بين لكم من المعروف والعدل والإحسان ، كيف اتصف بتلك الأوصاف والأخلاق الحسنة ، ويحتمل الأخيران وجهاً ثالثاً وهو أن يكون المراد لا تعرفوا الرسول بما يخرج به عن الرسالة إلى درجة الألوهية ، وكذا الإمام . الثاني : أن يكون المراد بما يعرف به ما يعرف باستعانته من قوي النفس العاقلة والمدركة وما يكون بمنزلتها ، ويقوم مقامها ، فمعنى اعرفوا الله بالله ، اعرفوه بنور الله المشرق على القلوب بالتوسل إليه والتقرب به ، فإن العقول لا تهتدي إليه إلا بأنوار فيضه تعالى ، واعرفوا الرسول بتكميله إياكم برسالته ، وبمتابعته فيما يؤدي إليكم من طاعة ربكم فإنها توجب الروابط المعنوية بينكم وبينه ، وعلى قدر ذلك يتيسر لكم من معرفته ، وكذا معرفة أولي الأمر إنما تحصل بمتابعتهم في المعروف والعدل والإحسان ، وباستكمال العقل بها ، وروى الصدوق في التوحيد بإسناده عن هشام بن سالم قال : حضرت محمد بن النعمان الأحول وقام إليه رجل فقال له : بما عرفت ربك ؟ قال : بتوفيقه وإرشاده وتعريفه وهدايته ، قال : فخرجت من عنده فلقيت هشام بن الحكم فقلت له : ما أقول لمن يسألني فيقول لي : بم عرفت ربك ؟ فقال : إن سأل سائل فقال : بم عرفت ربك ؟ قلت : عرفت الله جل جلاله بنفسي لأنها أقرب الأشياء إلى ، وذلك لأني أجدها أبعاضاً مجتمعة وأجزاء مؤتلفة ظاهرة التركيب ، مبينة الصنعة مبنية على ضروب من التخطيط والتصوير ، زائدة من بعد نقصان وناقصة بعد زيادة قد أنشأ لها حواس مختلفة وجوارح متباينة من بصر وسمع وشام وذائق ولامس ، محصولة على الضعف والنقص والمهانة ، لا تدرك واحدة منها مدرك صاحبتها ، ولا تقوى على ذلك ، عاجزة عن اجتلاب المنافع إليها ، ودفع المضار ، واستحال في العقول وجود تأليف لا مؤلف له ، وثبات صورة لا مصور لها ، فعلمت أن لها خالقاً خلقها ومصوراً صورها مخالفاً في جميع جهاتها ، قال الله تعالى : [وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ] . الثالث أن يكون المراد ما يعرف بها من الأدلة والحجج ، فمعنى اعرفوا الله بالله أنه إنما تتأتى معرفته لكم بالتفكر فيما أظهر لكم ، من آثار صنعه وقدرته وحكمته بتوفيقه وهدايته ، لا بما أرسل به الرسول من الآيات والمعجزات فإن معرفتها إنما تحصل بعد معرفته تعالى ، واعرفوا الرسول بالرسالة ، أي بما أرسل به من المعجزات والدلائل أو بالشريعة المستقيمة التي بعث بها فإنها لانطباقها على قانون العدل والحكمة يحكم العقل بحقيقة من أرسل بها ، واعرفوا أولي الأمر بعلمهم بالمعروف وإقامة العدل والإحسان وإتيانهم بها على وجهها ، وهذا أقرب الوجوه ، ويؤيده خبر ابن حازم . ويؤيده ما رواه الصدوق (ره) في التوحيد بإسناده عن سلمان الفارسي رضي الله عنه في حديث طويل يذكر فيه قدوم الجاثليق المدينة مع مائة من النصارى وما سأل عنه أبا بكر فلم يجبه ثم أرشد إلى أمير المؤمنين عليه السلام فسأله عن مسائل فأجاب عنها ، وكان فيما سأله أن قال له : أخبرني عرفت الله بمحمد أم عرفت محمدا بالله عز وجل ؟ فقال علي بن أبي طالب عليه السلام : ما عرفت الله عز وجل بمحمد صلى الله عليه وآله ، ولكن عرفت محمدا بالله عز وجل حين خلقه وأحدث فيه الحدود من طول وعرض ، فعرفت أنه مدبر مصنوع باستدلال وإلهام منه وإرادة كما ألهم الملائكة طاعته ، وعرفهم نفسه بلا شبه ولا كيف ، والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة . أقول : قال الصدوق (ره) بعد إيراد خبر المتن وهذا الخبر وغيرهما : القول الصواب في هذا الباب ، هو أن يقال : عرفنا الله بالله لأنا إن عرفناه بعقولنا فهو عز وجل واهبها وإن عرفناه عز وجل بأنبيائه ورسله وحججه عليهم السلام فهو عز وجل باعثهم ومرسلهم ومتخذهم حججا ، وإن عرفناه بأنفسنا فهو عز وجل محدثها ، فبه عرفناه وقد قال الصادق عليه السلام : لولا الله ما عرفناه ، ولولا نحن ما عرف الله ، ومعناه لولا الحجج ما عرف الله حق معرفته ، ولولا الله ما عرف الحجج . إلى آخر ما ذكره (ره) وحاصل كلامه أن جميع ما يعرف الله به ينتهي إليه سبحانه ، ويرد عليه أنه على هذا تكون معرفة الرسول وأولي الأمر أيضاً بالله فما الفرق بينهما وبين معرفة الله ذلك ؟ وأيضاً لا يلائمه قوله اعرفوا الله بالله ، إلا أن يقال : الفرق باعتبار أصناف المعرفة فالمعرفة بالرسالة صنف من المعرفة بالله ، والمعرفة بالمعروف صنف آخر منها ، ومعرفة الله فيها أصناف لا اختصاص لها بصنف والمراد باعرفوا الله بالله حصلوا معرفة الله التي تحصل بالله ، هكذا حققه بعض الأفاضل)([14]).

وهذه الوجوه المحتملة للخبر كلها أقرب من تطبيق الخبر على برهان الصديقين ، والغريب أنه لا توجد في هذا الخبر دلالة عليه ،  لا نصاً ولا ظهوراً .

وفي خبر آخر بيَّنَ أمير المؤمنين عليه السلام كيفية معرفة الله تعالى بما عرَّف به نفسه حيث سُئل عليه السلام : بم عرفت ربك ؟ قال : (بما عرفني نفسه ، قيل : وكيف عرفك نفسه ، قال : لا يشبهه صورة ولا يحس بالحواس ولا يقاس بالناس ، قريب في بعده ، بعيد في قربه ، فوق كل شيء ولا يقال شيء فوقه ، أمام كل شيء ولا يقال له أمام ، داخل في الأشياء لا كشيء داخل في شيء ، وخارج من الأشياء لا كشيء خارج من شيء ، سبحان من هو هكذا ولا هكذا غيره ولكل شيء مبتدأ)([15]).

وهذا الخبر مما يشير ويفسر معنى معرفة الله بالله فما ادعوه في تطبيقه على برهان الصديقين مجرد زعم من التأويل والادعاء لا شاهد له من النصوص.

وبعد ذلك اتضح أن ما استدل به على برهان الصديقين من النصوص في هذا الخبر وغيره ادعاء وتطبيق للنص فيما تبنوه وليس فيها من دلالة وإشارة عليه ، وقد صرَّ الشيخ جعفر السبحاني أن مما استُدل به من النصوص على برهان الصديقين من التأويل البعيد عن الظاهر . وكان يقتضي أن يُعمم ذلك إلى جميع ما استدلوا به من النصوص على برهان الصديقين ؛ إذ إن كل ما استدلوا به هو من التأويل البعيد عن ظاهر الآيات ، وهذا نصُّ ما ذكره : (الآيات التي أتينا بها في مطلع هذا الفصل قابلة للتطبيق على هذا البرهان بنحو ما ، إذ لو تمكنا من ملاحظة الوجود نفسه ملاحظة دقيقة أمكن أن نصل إلى اللَّه وأمكن أن نعتبر قوله تعالى [أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ]([16]).ناظراً إلى هذا المعنى .أي أنه شاهد على كل شيء حتى نفسه وذاته ، أو مشهود لكل الأشياء عموماً وللإنسان المتفكر في الوجود خصوصاً .كما أنه يمكن أن يقال بأن شهادة اللَّه على وحدانيته على غرار شهادته على وجوده ، لا تعني إلا أن نطالع ونلاحظ نفس الوجود لنصل إلى هذه الحقيقة .إن ملاحظة نفس الوجود تشهد على وجود اللَّه ، وأما كيف تشهد على وحدانيته ، فسيوافيك بيانه في فصل التوحيد الذاتي . كما أن آية سورة النور ، لو قلنا بقابلية انطباقها على هذا البرهان يكون المقصود من أن : [اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ]([17]).حينئذ أن وجود اللَّه هو واقع هذا العالم ، أو أنه واهب الواقعية للممكنات ومطالعة الوجود هي التي توصلنا إلى هذه الواقعية .والحق أن يقال : إن استخراج مثل هذا المراد من الآية المذكورة أخيراً ما هو إلا من قبيل التأويل ، أو اكتشاف بعد من أبعاد القرآن ، الكثيرة لا أنه تفسير لظاهر الآية .وعلى كل حال ، سواء أكان تطبيق مفاد الآيات المذكورة على هذا البرهان صحيحاً وصائباً أم كان من قبيل التأويل واكتشاف بعد جديد من أبعاد الآيات فإن برهان الصدّيقين في حد ذاته وعلى الطريقة السينائية برهان واضح ، وقابل للاعتماد عليه بل وجدير بالاهتمام)([18]).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) سورة فصلت : 53.

[2] ) الإشارات والتنبيهات (تحقيق الزارعي)،ص276.

[3] ) تفسير القمي،ج2،ص267.

[4] ) تحف العقول،ص327.

[5] ) ) انظر إقبال الأعمال (دعاء عرفة).

[6] ) أصول الكافي،ج1،ص85.

[7] ) أصول الكافي،ج1،ص85.

[8] ) قوله عليه السلام : (غير موصوف بحد) أي من الحدود الجسمانية أو الصفات الإمكانية ، أو الحدود  العقلية ، وقوله : مسمى صفة لحد ، للتعميم كقوله تعالى :[لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً] ويحتمل أن يكون المراد أنه غير موصوف بالصفات التي هي مدلولات تلك الأسماء ، وقيل: هو خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف.مرآة العقول،ج2،ص33.

[9] ) قوله عليه السلام : (لا يزل) في بعض النسخ بالذال ، أي ذل الجهل والضلال من فهم هذا الحكم وعرف سلب جميع ما يغايره عنه ، وعلم أن كلما يصل إليه أفهام الخلق فهو غيره تعالى .مرآة العقول،ج2،ص33.

وعلى ما يبدو أن المراد : (يزل) من الزلل . أي من فهم هذا الحكم لا يصيبه الزلل فيه.

[10] ) أصول الكافي،ج1،ص113.

[11] ) التوحيد،ص290.

[12] ) سورة آل عمران:190.

[13] ) الوافي،ج1،ص339.

[14] ) مرآة العقول،ج1،ص296.

[15] ) صول الكافي،ج1،ص85.

[16] ) فصوص الحكم،ص62.

[17] ) سورة النور : 35.

[18] ) مفاهيم القرآن،ج1،ص203.

Comments (0)
Add Comment