الصديق والصيام أو ما قبل الحوزة

الصديق والصيام أو ما قبل الحوزة
الصديق قد يفتح باباً من الخير على حياة صديقه بل أبواباً إن كان صالحاً ، وأبواباً من الشر إن كان سيئاً ، لاسيما في مقتبل العمر ، حيث النفس خالية شفافة يجذبها كل شيء ؛ فمن طرائف المشاهد الحسنة التي شهدتها ، وحسن الصدف الماضية في مقتبل العمر عندما كانت مدرستنا في مرحلة الأول المتوسط في منطقة أخرى ليست بالبعيدة كثيراً ، وخطى المسافة إليها نحو عشر دقائق ، كان لي صديق في نفس المرحلة والمنطقة ، غير أنه في شعبة أخرى ، كنا نلتقي أحياناً في الطريق ونمضي معاً للمدرسة .
كان الدوام في تلك المدرسة ثلاثة أيامٍ صباحية وأخرى مثلها مسائية عند الساعة الثانية عشرة ظهراً . وما زلتُ أتذكرُ أنه كان اليوم الثاني أو الثالث من شهر رمضان المبارك ، وفي أحد أيام الدوام الصباحي التقينا وسط الطريق ، وأخبرني بأنه صائم . بينما لم يخطر ببالي أن أصوم ذلك الشهر، بل لم تكن فكرة الصيام واردة في ذهني أصلاً.
ثم لِما يحمل من فطرة لحب الخير صار يرغبني في الصيام ، وأنه لا يوجد ثمَّ أمر صعب في الصلاة والصيام ونحو ذلك . وانتهى الحديث عند الدخول إلى المدرسة والانصرافُ كلٌ منا إلى شعبته ، إلا أن فكرة الصوم لم تفارقني . وكنت أحسبُ أن فيها شيئاً من الصعوبة ، وكأنها تقييدٌ يخالف العادة ، وهذه طبيعةُ الإنسان ؛ إذ يألف كل ما اعتاد عليه ويستصعب كلَّ غير مألوف لديه.
ولكن قبل انتهاء الدوام حسمتُ الأمر وما إن دق جرس الدرس الأخير ذهبتُ إلى البيت وفي نفسي أحمل لهم مفاجأةً ما كنت أدري ما ردة فعلها ، وأكثر ما كنت أخشاه أن يمانع والدايَ من الصيام!
وما أن دخلت البيت ومن غير مقدمات قلت لوالدتي إنني أصوم غداً . استغربت كثيراً ! وبعد إلحاح مني ، قالت صم وإذا لم تستطع فافطر. وسررتُ كثيراً بالمقترح الذي يتيح لي الفرصة ويضعني أمام تحدٍ أنا المسؤول عنه . ثم أخبرنا والدي فما وافق بدايةً ، إلا أنه بعد ما سمع بالمقترح المطروح تردد . ثم كان لسان حاله ننتظر الغد ونرى ما تقوله أهو جدٌّ أم أنك من اللاعبين.
في ذلك الوقت كنت أحبُ المصلين الصائمين إلا أنني لستُ منهم ؛ لما كنتُ أراه من صغر سني ، ولم يكن صيامُ أقراني وصلاتهم أمراً معروفاً.
كنت أحبُ أهل البيت (عليهم السلام) كما هو ديدنُ كل شيعي يولد في عائلة شيعية ، وأحبُ القراءة والاستماعَ إلى سيرتهم (عليهم السلام) ، وما أتذكرهُ وقتئذٍ أنني اشتريتُ كتيباً صغيراً من سوق البصرة من شخص كان يفترشُ الأرض بكتبه ، كان عنوانه بعض خطب النبي صلى الله عليه وآله ، اشتريته لمجرد عنوانه ، ولربما لم أكن أعرفُ مؤلفه أهو من الشيعة أم العامة . وما زلتُ محتفظاً به رغم أنني أهديتُ كثيرًا من كتبي خصوصاً في الآونة الأخيرة ؛ بسبب اعتمادي على المكتبات الإلكترونية . ولولا أنني دوّنتُ عليه سنة : 1991م، لما عرفتُ متى اقتنيتُه.
وكنتُ أقرأ كتيباً صغيراً بعنوان : (الحصن الحصين) يضم أدعية الصباح والمساء اشتهر في ذلك الوقت كثيراً ، وكنتُ أحمله معي أحياناً ولم أكن أصلي بعد.
استيقظتُ وتسحرتُ مع والِديَّ كما هي عادتهما وقت السحر برغبة شديدة في إتمام اليوم ، مع خشية عدم التمكن والعدول عن الصوم ، إلا أنني بحمد الله تعالى أتممتُ اليوم بيسر من غير جهد ولا تعب ، مما دفعني إلى صيام اليوم الثاني والثالث ، حتى أتممتُ شهر رمضان المبارك بتوفيق الله تعالى ، إلا أنني أفطرتُ يوماً لأنني لم أتسحر يومها ، وكنتُ أحسبُ ذلك مسوغاً للإفطار . ثم ندمتُ سائر اليوم وما زال الندم حاضري.
كان لذلك الشهر الأول من الصيام لذة خاصة ، ولعله كان أجمل شهر صمته. ولم يكن يخطر في خلدي أن أصومه ، لولا ما منَّ الله به عليَّ من إرشاد ذلك الصديق المهذب.وهنا تتجلى أهمية الوعظ والإرشاد في تحريك النفوس المستعدة للخير ، وإظهار قابلية الهداية فيها .
ثم اندفعتُ بعد ذلك لحضور المجالس والاستماع إلى محاضرة الظهيرة من إذاعة طهران ، ومع كثرة ما استمعتُ إليها ، صارت المحاضرات تتكرر عندي ؛ فأستمع إلى المحاضرة مرتين أو أكثر.
وفي تلك الفترة بدأت تستولي عليَّ رغبة السهر ؛ فكنت أقضي بعض الليالي حتى الصباح ما بين القراءة والاستماع إلى برامج إذاعة طهران . وكان الراديو يلتقط بعض الإذاعات البعيدة في ساعات الليل المتأخرة ، التي يظهر فيها قراءة القرآن بصوت محمود خليل الحصري وغيره من القراء . وما أروعها من أوقات أشعرُ أحياناُ في ظل الصمت الرهيب والصوت الملائكي البديع وكأني ألتصقُ بعنان السماء.
وكان والِدايَ يحثاني على النوم في الليل ويشفقان عليَّ من السهر ، ويُحذّرانني من أضراره. وليتني آنذاك راعيتُ نصحهما رأفةً بهما، ووببدني الذي أنهكته ليالي السهر الطويلة . وكانا يستغربان ماذا تفعل لوحدك في هذا الليل الطويل ! من غير تلفاز ولا إنترنيت ومواقع تواصل كما في وقتنا الحاضر ، ولم يعلما أن بعض الليالي تنقضي وما كانت رغبتي أن تنقضي . وعندما يبزغ الفجر أحس انتهى معه كل شيء!
ثم اشتدت رغبتي في قراءة الكتب الدينية . ولكن من أين تأتي بها والنظام شدد الحظر عليها. في بعض الأحيان ألتقي بذلك الصديق ما بعد الدوام فيحدثني عن عناوين الكتب التي يستعيرها والده من بعض معارفه .ولم أكن لأستعيرها منه لعدم إحراجه وما كنت أحسب موافقة والده .
في يوم ما حدثني عن (دعاء العهد) ، وأنه يقرأه في (ضياء الصالحين) أو (مفاتيح الجنان) لا أتذكرُ تحديداً ؛ فطلبتُ منه أن يكتبه لي على ورقة بخط واضح ، فكتبه وجاء به إليَّ قرأناه وأتذكر توقفنا عند جملة : (استكانتا) أهي صحيحة أم كُتبت خطأً.
كان صديقي يصلي ولكنه لا يشعر بلذة الصلاة ، وكان يعزو ذلك لإكراه والديه عليها . وما أجدر بالآباء ترغيب الأولاد في الصلاة وليس مجرد إرغامهم عليها.
وصرتُ أبحثُ عن الكتب في كل مكان ، فما إن أعلم بكتابٍ لدى أحدٍ إلا سعيتُ إلى استعارته ، وما كانتُ أرغب أن يمر يوم من غير وجود كتاب عندي ، حتى إني أتذكرُ استعرتُ الجزء الثاني من (إرشاد القلوب) في ليلة ماطرة شديدة المطر.
وفي هذه الفترة كنت أصلي خلف السيد سلمان الشرع رحمه الله ــ في محافظة البصرة منطقة حي الزهراء المحاذية لمنطقة الجمهورية ـــ بعض أيام الجمع ولياليها . كان رجلاً كبير السن ، وكان من عادته أن يلقي موعظة مختصرة وهو واقف ما بين صلاة الظهر والعصر من يوم الجمعة ، أتذكرُ أنه في إحدى تلك الجمع قال باختصار : بالنسبة للتقليد نحن نبقى على تقليد السيد عبد الأعلى السبزواري إلى أن يظهر لنا مرجع نُقلده .
وفي ذلك الوقت كان أغلب الناس وأنا منهم لا نعرفُ العلماء الذين هم الآن متصدون للمرجعية. ولا أتذكر بعد سماع كلامه أم قبله اشتريتُ رسالة السيد السبزواري (منهاج الصالحين) من سوق الجمهورية حيث كان يوجد شخص مسنٌ يلبس العقال والغترة البيضاء يبيع الكتب صباحاً ، وبحسب ما أذكره بلغ ثمنها تسعمائة دينار ولم يكن مبلغاً قليلاً آنذاك.
ووقتئذٍ بدأت عندي رغبة الدخول إلى الحوزة . ولكن لم أكن أعرفُ كيفية السبيل إلى ذلك ، وهل يمكنني الدخول في ذلك السن أم لا ، لم أكن أعرف هذه التفاصيل ونحوها ؛ ولهذا كنتُ أرغبُ في شهر رمضان أن أحضُرَ المجالسَ التي يُحاضِرُ فيها خطباءُ من الحوزة لكي أسألهم عن تلك التفاصيل.
وكانت العقبة الكؤود التي تعيقني وأفكرُ في تخطيها هي الخدمة الإلزامية في الجيش إذا أردت ترك الدراسة . وما أتذكره أنه في السنة الأولى من الصف الثالث المتوسط استحكمت عندي فكرة الدخول إلى الحوزة ولم تعد الدراسة تعنيني بشيءٍ ، ولم تعد لدي رغبة لا في النجاح ، ولا في التخرج ، ولا حتى في التخصص بعد التخرج في أي تخصص مهما كان ، فاتخذتُ قرار دخول الحوزة وبعد ثلاث سنوات أي عندما أكون مطالباً بالخدمة الإلزامية أزوِّرُ هويةً ، أو أني أهربُ إلى إيـران ، لأنه تعرفتُ على بعض الأصدقاء المتدينين وقتئذٍ وكنا نتداول فكرة الهروب . ولكن ليس هروباً جماعياً ، وإنما كل شخص بحسب ما تتيح له الفرصة ، ويمكنه دفعُ المال الذي يبلغُ خمسين ألفاً في ذلك الوقت أُجرة المُهرِّب .
وما المبرِّرُ أن تعيش في بلد لا يمكنك أن تمارسَ فيه حريتك ، وتخشى حتى من الصلاة في المسجد وحضور المجالس الحسينية ، ونحو ذلك مما تعدهُ هدفك الأسمى ، وليس ثمَّ ما يشير إلى انفراج قريب في زوال النظام الذي استحكمتْ قبضته.
وكنتُ أحسبُ أن ثلاثَ سنواتٍ أمامي طويلة جداً ، يمكنني أن أتخلصَ خلالها من الخدمة الإلزامية بطريقة وأخرى . ولكنني داومتُ في تلك السنة ، ووجودي في المدرسة كعدمه ؛ فلا يعنيني ما فيها ، وكل رغبتي وهمومي كانت خارج المدرسة : من الكتب التي أتداولها ، والبعثيين (أزلام النظام) الذين كنتُ أشعرُ بأنهم يراقبونني ويعرفون تديني.
ولا أريد القول بأن ما فعلته هو الأوفق بالصواب ، وإنما كانت الأمور تتجه بي نحو ذلك الاتجاه .
والشيء اللطيف الذي حصل وجعلني أفكر أكثر في الابتعاد عن المدرسة ودخول الحوزة ، هو أن والدي أبدل جنسيتي مع أخي ، الذي يصغرني بسنتين في نفس اليوم . وبعد الرجوع إلى البيت نظرتُ الجنسيتين بتأمل ، ولاحت لي فكرة أن أضع صورتي على صورة أخي وأكبسها وحينها تكون هويتي الشخصية بمواليد تصغرني بسنتين .
وبعد عرض الفكرة على ثلةٍ من الأصدقاء قال لي بعضهم لا يتطلبُ أن تفعل ذلك ، ويمكنك أن تجعلها هويتك الشخصية . بسبب التشابه الكبير بيني وأخي ، وعلى كل حال جاءت نهاية السنة ولم تعنيني بشيء . ثم السنة الثانية أيضاً على نفس المنوال أقرأ الكتب التي أستعيرها ، وبعض الليالي أبقى حتى الصباح ، ولا شأنَ لي بكتبي الدراسية حتى في الامتحانات الشهرية ومنتصف السنة وآخرها غير مكترثٍ بذلك.
وفي تلك الأيام كنتُ أجيءُ إلى النجف الأشرف تارةً في القطار فأنزلُ في محطة الديوانية . ثم أركبُ من الديوانية إلى النجف متحملاً مشاق السفر وحدي لكي أسأل العلماء ولعلي أظفرُ بفرصة ما تتيحُ لي دخول الحوزة.
وفي إحدى تلك الزيارات أتذكرُ أنني ذهبتُ إلى مسجد الطوسي للقاء السيد حسين بحر العلوم رحمه الله حيث كان يجلس قبل صلاة الظهر في غرفة صغيرة محاذية للمسجد وقلت له : سيدنا أريد أدرس حوزة إلا أنه ليس لدي سكن ؟ فقال لي : لا أمتلك سوى بيتي إذا تريد تتفضل بالبيت أهلاً وسهلاً بك.
ولا أتذكر في تلك الزيارة أم غيرها ذهبتُ إلى السيد محمد كلانتر (رحمه الله) مؤسس جامعة النجف الدينية ، وهو المسؤول المباشر عن قبول الطلبة ، وكنتُ قد سمعتُ عنه أنه لا يقبل في الجامعة إلا أبناء العوائل العلمية ، أو الذين يُوثَّقون له من قِبل أشخاص معروفين . وله الحق في ذلك لأنه في ظل حكومة صدام وخاصة في الحوزة التي زرع صدام اللعين رجاله فيها لا مجال للثقة والاطمئنان إلا بالأشخاص الذين تعرفهم ، وفي غير ذلك تكون الثقة والاطمئنان ضرباً من الحماقة وحتى الجنون . ومع ذلك قلتُ أذهبُ إلى السيد وأقول له أفضل من عدم الذهاب الذي لا يرجى منه خير ، وأيضاً لألتقي بالسيد الذي سمعتُ عنه الكثير ، وفعلاً ذهبتُ إليه ، فوجدته جالساً في غرفته المعروفة في الجامعة . وبعد ما سلمتُ عليه قلت له : سيدنا أريد أن أدخل إلى الحوزة . قال لي : أدخل الحوزة . قلتُ له سيدنا : أين الحوزة ؟ قال باللغة الدارجة : روح يم الإمام اسأل وهم يدلونك!
سمعتُ كلامهُ متفاجئاً ! ومنعني الاستغرابُ من الكلام . ثم ودعته وانصرفت متفكراً في الكلام الذي سمعته ، ولا أدري أهو إلى الجد أقربُ من الهزل ، أم إلى الهزل أقربُ من الجد؟!
ولكن مما يهون ذلك أن التقية من النظام شديدة ، وأن القبول في الجامعة لا يكون إلا عبر طرقها المعهودة كما ذكرتُ.
وكنتُ أستشعرُ (لعل الذي أبطأ عني هو خير لي لعلمك بعاقبة الأمور).
وعلى كلٍّ لم أُوفق للتشرف بجوار أمير المؤمنين عليه السلام في تلك السنين ، وصرتُ إلى السنة الأخيرة في الثالث المتوسط إما أن أنجح وتستمر حياتي على نمط الدراسة ، وتجنبَ الخدمة العسكرية ، وإما العسكرية التي لا طاقت لي بها ، وأشعر أن بيني وبينها فرقٌ شاسعٌ ، مضافاً لضعف بدني وهيئتي التي لا تشبه العسكرية في شيء من شؤونها.
فقررتُ أن أنجح وأتخطى الثالث لتكون أمامي سنتان لعل الله يُحدِث لي بعد ذلك يسراً.
وفي هذه السنة لم يتغير كثيرٌ ما كنتُ أزاوله في السنين السابقة من قراءة الكتب ، وحضور صلاة الجماعة في المساجد ، والتأخر خارج البيت حتى في الامتحانات النهائية ، سوى رغبتي في النجاح ، وشيءٍ يسيرٍ من القراءة . ومما أتذكرهُ في تلك السنة أنني استعرتُ من ابن مدير المدرسة ـــ الذي كان صديقي ، ورفيقي عند الذهاب للمسجد أحياناً ـــ كتاب (البيان في تفسير القرآن) للسيد الخوئي الذي أعجبني كثيراً من حيث جزالة البيان ودقة المعنى وما زال . ولم يكن الكتاب له وإنما كان لوالده أي مدير المدرسة ، والذي صار يعرفني معرفة خاصة بسبب رفقة ابنه ، ففي البداية قال سأخبر والدي لأنه ليس كتابي وأملني خيراً وصدق ظنه.
نجحتُ تلك السنة بتوفيق الله تعالى وأُزيح عني كابوس الخدمة الإلزامية لعامين . وفكرتُ حينها الدخول إلى المعهد الإسلامي ؛ لأنه يتيح لي الاطلاع على كتب العامة ، ولعلي أتمكنُ من مناقشة الطلبة الذين هم من العامة ــ حيث كان يوجد فيه الكثير منهم ــ وإرشادهم إلى مذهب أهل البيت عليهم السلام ، هذا ما كان في خلدي وسريرتي آنذاك ـــ وشكراً لله ذي الفضل والإنعام على ما انطوت عليه سريرتي ـــ كما كنتُ أناقش أحدهم ممن كان معي في الثالث المتوسط ، إلا ما بلغني أن العدد المخصص للقبول قليل . ولا يقبلون إلا بالواسطة والمعارف ؛ فلم يكن الأمر سهلاً ولا متاحاً للجميع ، خصوصاً وأنه لم يكن في محافظة البصرة سوى معهد إسلامي واحد والذي هو يقع بالقرب من جامع البصرة الكبير.
ولذا قررتُ دخول إعدادية التجارة التي كانت وما تزال في العشار . لم يكن يهمني الدخول إلى أي إعدادية كانت ، وكل همي التخلص من خدمة الجيش إلى وقتٍ ما .
كان كل شيء جميلاً في تلك الإعدادية موقعها المميز في قلب العشار إلى جانب الإعدادية المركزية فكنا نسمع صوت الجرس لديهم الذي كان (نشيد موطني) ؛ إذ لم يكن يفصل بيننا سوى سياج واحد . وكذلك الأساتذة الأكفّاء من ذوي الخبرة الطويلة في التدريس ، الذين يغلب عليهم حسن الأسلوب واحترام الطالب ، سوى شيء واحد وهو قلة عدد طلابها ؛ فقد كانت الصفوف فارغة باستثناء ثلاثة صفوف لكل مرحلة صف واحد لا غير . وكان همُّ المدير والأساتذة استقطاب المزيد من الطلاب.
لم تمضِ سوى أيامٍ قليلةٍ وعرف الطلاب أنني أقرأ الكتب الدينية ، وصاروا يستعيرونها مني . ثم وصل الدور للأساتذة مثل أستاذ عقيل (رحمه الله حياً كان أم ميتاً) مدرس التربية الإسلامية واللغة العربية معاً ، وأستاذ رجب مدرس اللغة الإنكليزية (رحمه الله حياً كان أم ميتاً) . ثم صار مدير المدرسة الأستاذ حمدي (رحمه الله) يستعير مني ، وفي ذاكرتي كان من بين الكتب التي استعارها كتاب (قصص الأنبياء) للسيد نعمة الله الجزائري (رحمه الله) .
وما أذكره أن أكثر المدرسين تشدداً في مادته هو أستاذ صدام (رحمه الله) كان حريصاً على أن يفهم المادة جميع الطلاب ، وما كنا نشعر الأريحية في درسه كما في سائر الدروس . ولم يكن ذلك عيباً فيه بكل تأكيد ، وإنما للنفس التي تميل إلى اللهو وقلة الجد.
وفي السنة الأولى لم أفكر في النجاح بالرغم مما كنت أراه سهل المنال ، بسبب بساطة المواد وتعامل الأساتذة الطيب . ولكن ما أتذكره هو قبل منتصف السنة أُجريت لي عمليةٌ في يدي لإزالة البلاتين الذي وُضع بسبب كسرٍ أصابها قبل نحو ثلاث سنوات أثناء لعب كرة القدم ، وقد أجريت العملية بإشراف الدكتور ثامر الحمدان حيث كان في قسم الكسور في مستشفى الجمهوري في البصرة ، لم أره في غرفة العمليات ، لكن ما سمعته آنذاك أن العملية كانت تحت إشرافه .
وبعد العملية لم يُحدَّد حينها موعدٌ معيّن لإزالة البلاتين . وما أتذكره أن أحد الأطباء قال بعد سنتين إن حصلت مضاعفات . وبقي البلاتين لسنوات ، وكنت أرجو أن يبقى من غير ضرر تجنباً لعملية أخرى ، إلا أن ما قُدِّر لم يكن كما أردتُ ؛ ففي تلك السنة بدأتُ أشعر بالألم والأمور ليست على ما يرام . وعند مراجعة الطبيب ـــ الذي لم يغب عن ذهني اسمه محمد المحمود ـــ قال : لا بد من إزالة البلاتين في أقرب وقت ممكن ! ثم كتب إدخالي إلى المستشفى.
كان الخبر سيئاً بالنسبة لي ومفرحاً في الوقت نفسه ، إذ لعلي أتخلص من الألم ، ومن جرح العملية الذي كان ينفتح مرةً بعد أخرى . وبسبب العملية والغيابات الكثيرة بعدها أردتُ تأجيل السنة إلا أنه لم تحصل الموافقة ، فمضت تلك السنة غيرَ مأسوفٍ عليها . ولم يكن بقائي في المدرسة إلا لتجنب الخدمة العسكرية، وقد تبقى لديَّ سنة أخرى.
ومما أتذكره في تلك السنة هو أنه صار تقديم على المدارس الدينية في الحوزة ، وكان يُشترط في التقديم جلب تزكيتين ، واختبار من قِبَل اللجنة المسؤولة عن القبول ، ورغبتُ في التقديم من أجل الحصول على السكن في إحدى المدارس ، وذهبتُ إلى المقابلة وكان القرار على أنني إن ظفرتُ بالسكن التحقتُ بالحوزة ، وأدعُ الدراسة هذا العام والذي يليه . وما أتذكره كان موعد المقابلة عصراً إلا أن عدد المتقدمين من داخل الحوزة وخارجها كان عدداً كبيراً ، فانقضى الوقت المحدد للمقابلة وأُجِّل الباقون إلى اليوم التالي.
وكان يتوجب البقاء في النجف الأشرف ، ولم أكن أعرف أحداً فيها ، والمبيت في الفندق يعني ذهاب ما أبقيته من أجرة العودة إلى البصرة . وكان الحرم يُغلق آنذاك في الساعة الثانية عشرة ليلاً ، فوقع الخيار على المبيت في الساحة الواقعة ما بين الحرم وصافي صفا.
وكانت في وقتها ساحة فارغة ، وما كان فيها شيء من الأبنية والفنادق كما في الوقت الحالي.
ولا أتذكر تحديداً هذه الليلة أو الليلة التي قبلها ذهبت بالحقيبة التي أحملها لتلك الساحة ، ولا أدري كيف ستمر هذه الليلة ، وأكثر ما كنت أخشاه هو رأيت المارة من بعيد ؛ فما كان الوضع مناسباً ولافتاً للنظر في وسط ساحة واسعة تكاد تكون خالية من الزائرين فلم يكن موسم زيارة آنذاك.
مضى شيءٌ من الوقت جلستُ فيه على قطعة كارتون ريثما يغلبني النعاس على هذه الحال ، وفي الأثناء رأيتُ شخصاً يمشي مسرعاً عندما رآني حول وجهته إليَّ ونظر لي مستغربا ماذا تفعل هنا ! ليس استفهاماً وإنما استنكاراً . ثم قال لي : تعال معي أنا المسؤول عن مقام صافي صفا تعال بت هناك . ولا أدري لأي شيء وثقتُ به ، وعندما وصلنا إلى المقام ففتح الباب بمفتاح كان معه دخلنا فرحب خير ترحيب . ثم قال لي : عند الأذان أصلي وأخرج مباشرةً لعمل عندي . شكرته كثيراً ، وما أكاد أصدق من مصادفة ما أحسنها .ثم رأيته عند الأذان صلينا وودعته منصرفاً داعياً له بخير الجزاء .
وفي اليوم الذي بعده لم يُنادَ باسمي للمقابلة أيضاً ، وكان ذلك يقتضي البقاء ليوم آخر . وفي الليل قصدتُ لتلك الساحة التي كانت خياري الوحيد . ولكن ابتعدتُ كثيراً عن الأنظار لعلي أن أنام مبكراً ، وتفكيري في اليوم اللاحق هل تُجرى المقابلة ، وأرجعُ إلى البصرة أم عليَّ أن أقضيها هنا . وحينها سمعتُ صوتاً من بعيد فدققتُ النظر وإذا برجلٍ كبيرٍ في السن ؛ يا تُرى هل كان يناديني . ثم ماذا يريد مني ؟ تقدمتُ نحوه فعرفتُ بأنه يقصدني ، سألني من أي محافظة وغير ذلك . ثم قال أنا حارس هذه الساحة . وكان بالقرب منه سرير وحوله أفرشة أشار إليها قائلاً : جئتُ بها للزائرين الذي يبتون في هذا المكان . ثم قال خذ منها ما تشاء ونم. ولم يدرِ من أي مأزق أنقذني رحمه الله حياً كان أم ميتاً .
وفي اليوم الذي تلاه أخبرتُ المسؤولين أنني من البصرة ، وأن هذا اليوم الثالث الذي أنتظر فيه المقابلة ؛ فأخذوا اسمي ونادوا به بعد دقائق . سألوني عن التحصيل الدراسي لمعرفة الموقف من الخدمة الإلزامية وغير ذلك . ثم وجَّهوا إليَّ خمسة أسئلة في الفقه ، أجبتُ عن بعضها ولم تكن الإجابة دقيقة في بعضها الآخر.
وقد كان عدد الغرف الفارغة في المدارس الدينية ما يقرب من مائة وعشرين غرفة ، وكان عدد المتقدمين أكثر من ألفين ــ بحسب ما عرفتُ بعد ذلك ــ وبكل تأكيد تكون الأولوية لطلبة الحوزة ، لاسيما من كان منهم بزيه الديني كما رأيتُ بعضهم أيام المقابلة.
صدرت أسماء المقبولين نحو مائة وعشرين اسماً وما كان اسمي معها. والحمد لله على كل حال .
وفي السنة الثانية وهي السنة التي يتطلب أن أنجحَ فيها وإلا كان مصير الخدمة الإلزامية المحتوم أو الانتقال إلى إعدادية أخرى مسائية ، قررتُ أن أنجح . ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان ! صديقي الذي لم يغب عن ذاكرتي اسمه ولا لقاؤه (ناجح عبود) من أهالي منطقة شط العرب ، كان في نفس رحلتي وأقرب الطلاب إليَّ اعتُقل وبقي مكانه فارغاً إلى آخر السنة . وبعد ما سألتُ عنه بعض الطلبة الذين في منطقته قالوا لي : اعتُقل هو وإخوته . وكان لإخوته محل لبيع الساعات في العشار ، في أول شارع المطاعم. وكلما مررتُ بجانبه رأيته مغلقاً فيثير الأسى في قلبي . ثم سألت عنه بعد مدةٍ أخرى فقال لي أحدهم : انسه ولا تفكر في رجوعه . ثم عرفتُ بعد ذلك أنه أُعدم هو وإخوته لأسباب سياسية رحمهم الله بواسع رحمته ورضوانه .
رأيتُ مرارةَ تلك السنة ! وكل يوم يمر أتوقعُ أن أُعتقل فيه . وكلما جاء بعض المسؤولين إلى المدرسة تصورتُ أنهم جاءوا ليأخذوني ! فأي رغبة تبقى لي في الدراسة بعدئذٍ.
وعلى كل الأحوال ! شاركتُ في الامتحانات النهائية ، وكانت بالنسبة لي أشبه ما تكون بصياد يرمي سنّارته في بحر واسع مجرداً لها من كل طعم مناسب ، ولا يرجو من صيده إلا ما تجود به محاسن الصدف ! فلم تكن ثمة قراءة ولا اهتمام بالامتحان ، ومع ذلك كله كنتُ أتوقع نجاحي ، بسبب تسامح المدرسين ، ولأن عدد الطلاب كان قليلاً جداً ، ولم يكن من السهل على الإدارة والمدرسين التفريط بهم . وقد سمعتُ أن التربية تداولت فكرة إغلاق المدرسة لقلة طلابها . أما تفاصيل الإجراءات ، وما سيفعلونه بالطلبة ونحو ذلك من تفاصيل فلم أسمع عنها شيئاً.
وما كان من أمر المشاركة أن خرجتُ بمادتين : مادة الإنكليزي والإدارة . وحينها توقعتُ نجاحي بشكلٍ أكبر فما كنتُ أتصور أن أتوقف على مادتين ، ولاسيما مادة الإدارة ، وهي من المواد الحفظية ولا تستحق ذلك ؛ ولذا لم أهتم بهما . واقترح عليَّ أحد الطلبة أن أدخل درساً خصوصياً في مادة الإدارة ولو ليومين ، وهو يضمن لي النجاح بسبب علاقته بمدرّسها ، وكنت أنا أيضاً متيقناً من ذلك . ولكنني لم أُعِر الموضوع أهميةً.
وأما مادة الإنكليزي فما كنتُ أتصور أن أستاذها يوقفني عندها . وفعلاً كما توقعتُ ، ولكن خاب ظني في مادة الإدارة ، ولم أكن أستسيغ تصديقَ ذلك .
والحمد لله على كل حال فلربما لو أنني أكملتُ الدراسةَ لعدلتُ عن دخول الحوزة لسببٍ أو آخر . ولكنتُ إلى الآن على ذلك المستوى والشغف الذي لم ينتهِ فتذهب نفسي عليه حسرات ، أو لربما كانت لي قدمٌ فيها وأخرى في غيرها مما يؤثر عليَّ سلباً.
وفي السنة التي بعدها انتقلتُ إلى الدوام المسائي ، وفي تلك السنة حدثت لي أحداثٌ جسام تنقلتُ فيها مكرهاً ما بين البصرة والنجف وبغداد لما يقرب من سنةٍ ونصف . ولا موجبَ للإطالة أكثر من ذلك ، غير أنني نجحتُ وانتقلتُ إلى المرحلة التي بعدها.
وكان المقرَّر الاستمرارُ في الدوام تجنباً للخدمة الإلزامية أيضاً ، لا لشيءٍ آخر ، إلا أنه قبل انقضائها انقضت أيامُ الطاغوت صدام ،وأطلّت بوادر الفرج التي طال انتظارها ، وانزاح عني كابوسٌ كان جاثماً على كل فكري وحياتي.
ومن بعد السقوط أُتيحت لي فرصةُ التعيين في أكثر من وزارة إلا أن رغبتي لم تكن فيها. وفي السنة التي هوى فيها ذلك الطاغية شددتُ الرحال إلى جوارٍ طال شوقي إليه ، وتناثرت أحلامي في سبيل وصاله ، وإن كانت لي دراسةٌ قبل ذلك بعامين في حوزة النجف الأشرف إلا أنها لم تستمر طويلاً.
ما زلتُ أشعرُ بأن الكلام في ذلك كثير ولم أستوفِ منه إلا الشيء اليسير ؛ غير أن الكتب التي بين يدي وقد شارفت على الإرسال إلى الطبع ، ويتوجب عليَّ إتمامها تستدعيني لإتمامها والانصراف إليها.
والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً وصلى الله على خيرِ بريته محمدٍ وآله المنتجبين الأطهار.
هشام الخفاجي
النجف الأشرف / الثالث من شهر رمضان المبارك 1447هـ
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.