دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (23) أهم المؤاخذات على برهان الصديقين (الأخيرة)
دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (23)
أهم المؤاخذات على برهان الصديقين
إن برهان الصديقين توجد عليه عدة مؤاخذات من حيث معناه ، ودلالاته ولوازمه يمكن تلخيصها إجمالاً في أمور :
الأمر الأول :
إن هذا البرهان لو كان ذا قيمة معرفية في التدليل على الخالق سبحانه لم يفت الأنبياء والأئمة عليهم السلام حتى يأتي به بعد ذلك الفارابي وابن سينا.
الأمر الثاني :
إن عَدَّ برهان الصديقين دليلاً مهماً ، وأنه من أفضل البراهين التي جاء بها الفلاسفة ، يرفع من شأن الفلاسفة على حساب قدر الأنبياء والأوصياء بغير حق ، وإن كان ذلك من غير التفاتٍ وقصد . ولا يغرنك تسميته ببرهان الصديقين ، لأن التسمية لا تغير من حقيقته وقيمته شيئاً .
وقد اغتر بعضهم بتسميته ببرهان الصديقين ، ولم يدرك أن أصل هذه التسمية جاء من الفلاسفة الذين درجوا على تعظيم ما جاءوا به بغير حق ولا وجه.
الأمر الثالث :
إن القيمة المعرفية لبرهان الصديقين ترجع في حقيقتها إلى برهان العلة والمعلول ، الذي انتقصه الفلاسفة ، وفضّلوا عليه برهان الصديقين ، مع أنه لا ميزة لبرهان الصديقين عليه. أي لا يختلف في حقيقته عن البرهان الإني ــ وهو السير والنظر من المعلول إلى العلة ــ لأن مفهوم الوجود منتزع من الموجود.
الأمر الرابع :
إن المتبنين لبرهان الصديقين ذكروا أن الاستدلال فيه يكون من وجود الواجب تعالى عليه. ويرد ذلك هو أننا ما عرفنا وجود الله تعالى إلا بعد الإقرار والإيمان به فما ذُكر ليس إلا مجردَ زعمٍ . والاستدلال إنما يقع من الموجود (الممكن) المعلوم المشاهد ، لا من طبيعة الوجود المنتزع من ذات الله تعالى . والموجود المعلوم المشاهد ليس منتزعاً من ذات الله تعالى ؛ لأن الاستدلال من الموجود المشاهد المعلوم ليس هو وجوده الخاص.ولولا وجوده (الممكن) لما عرفنا وجوده تعالى ، ولما استدللنا عليه.
الأمر الخامس :
إن برهان الصديقين مجرد تنظيرٍ ما بعد الاعتقاد والإيمان ؛ فغير المؤمن لا يدرك مثل ذلك لما فيه من شدة الغموض والخفاء ، وإن أدركه لم يرَ فيه دلالةً ومعنى يختلف عن الاستدلال من المعلول إلى العلة.
الأمر السادس :
لا يجدي في مناقشة الملحدين ؛ لأنه مبني على تقسيمات الوجود الذهني ، وعلى تنظيرٍ لما بعد الإيمان . والملحد لا يُسلِّم بالمقدمات التي يفترضها الخصم مسلَّمة الوقوع . أي أن الملحد إذا كان لا يؤمن بالدلالة على الخالق من خلال وجود المخلوق ، فأنه لا يؤمن بمثل هذا التقسيم والتنظير للوجود الذهني لما بعد الاعتقاد .
الأمر السابع :
تأويل الآيات والروايات للاستدلال عليه ، وهذا مع ما فيه من الاستدلال في غير محل ه يحرّف النصوص عن معانيها الصحيحة، ويأتي بمعانٍ غير مرادة لها.
الأمر الثامن :
مع ما في هذا البرهان من مؤاخذاتٍ على دلالته ولوازمه ، افتخر به الفلاسفة وانتقصوا من برهان العلية والنظم ، فأكبروا ما لا يستوجب الإكبار، واستصغروا ما من شأنه أن يُستعظم.
الأمر التاسع :
إن بعض الدارسين يتلقّون ما ذُكر في برهان الصديقين من دلالة وتعظيم تلقي المسلَّمات، من غير وعيٍ ولا تأمل ، وكأنهم مقلِّدون لما جاء به الفلاسفة ؛ فيتبنّون أقاويل لا حقيقة لها ، ثم يغدون مبلّغين لها ومروجين.
الأمر العاشر :
إن الفلاسفة انتقصوا من دليل العلة والمعلول ، وقللوا من قيمته بالرغم من أهميته قرآنياً وروائياً على حساب مكانة برهان الصديقين .