دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (7) القيمة المعرفية لبرهان الصديقين

 

دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (7)
القيمة المعرفية لبرهان الصديقين

الأمر الثاني :

إذا لم يمكن عد برهان الصديقين من البراهين الإنية ، ويكون برهاناً لمياً يُستدل من خلال الله تعالى (العلة) على المعلول لم يكن برهاناً في إثبات وجود الخالق ، وإنما هو استدلال به على مخلوقاته ؛ فحينئذٍ عده من البراهين على إثبات الله تعالى كما ترى.

وبعبارة أخرى : إذا كان برهان الصديقين لمياً من حيث الاستدلال بوجود الله تعالى على المخلوقات ـــ كما ذكر بعضهم في تفسير لميته([1]) ـــ لا يُعد من الأدلة في إثبات وجود الله تعالى .

وهو برهان مضطرب في صياغته ، ومختلف في لميته وإنيته . بل وقع الخلاف حتى في تفسير لميته . ولشدة غموضه جعله بعضهم غير لمي وغير إني وإنما هو شبيه باللمي ، كما يأتي التعرض لذلك إن شاء الله تعالى عند عنوان : (برهان الصديقين وما في لميته وإنيته) ؛ فلا يخلو إما عده برهاناً إنياً من المعلول للعلة ، وهو بذلك لا يختلف عن دليل العلية الذي هو مختار المتكلمين وغيرهم ولا ميزة للفلاسفة لهم فيه ، أو عده من الاستدلال بالخالق على خلقه ، وبذلك يخرج عن كونه من البراهين المدللة على إثبات الخالق تعالى. أي الاستشهاد به تعالى على خلقه لا عليه ، كما يقول ابن سينا : (إن هذا حكم للصديقين الذين يستشهدون به لا عليه)([2])

ويقول عبد الرزاق اللاهيجي في برهان الصديقين هم يستشهدون بالحق لا عليه : (إن هذا المنهج – أعني منهج الإلهيين – هو أوثق المناهج وأقواها وأتمها وأهداها ، وأقلها مؤونة وأكثرها معونة ، ويشبه أن يكون طريق الصديقين الذين هم يستشهدون بالحق لا عليه ، لكونه نظراً في الوجود ، وهو عين حقيقته تعالى فيغني غناء البراهين اللمية ، ويمكن الوصول به إلى معرفته تعالى وإن لم ينظر إلى موجود بالفعل بعد ما فرض إمكان وجوده)([3]).

وأما ما ذكره اللاهيجي من إمكان الوصول به إلى معرفته تعالى وإن لم ينظر إلى موجود بالفعل فهذا لا واقع له ؛ لأنه من غير النظر إلى الموجودات لم ننتزع مفهوم الوجود ومن ثم يقع الاستدلال به على وجود الخالق جل وعلا كما يأتي الإشارة إلى ذلك إن شاء الله في الأمر السابع والثامن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) انظر عنوان : (برهان الصديقين وما في لميته وإنيته) حيث فسر بعضهم لميته من حيث الاستدلال بالخالق على خلقه.وقد فسر بعضهم اللمية بمعنى آخر ذكرته هناك.

[2] ) الإشارات والتنبيهات (شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي)،ج3،ص66.

[3] ) شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام،ج5،ص68.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.