دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (8) القيمة المعرفية لبرهان الصديقين

دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (8)
القيمة المعرفية لبرهان الصديقين

الأمر الثالث :

إن صياغة البرهان وما يفرضه الذهن من تقسيمات هي من التنظير ما بعد الوقوع ، أي التنظير للمعتقد وفرضه بعد الإيمان به ، ولا يمكن عده من الأدلة على إثبات الخالق ؛ إذ العقل مجرداً عن الإيمان بالخالق لا يمكنه أن يدرك معنى الأشد والأضعف في حقيقة الوجود ، وأن حقيقة واحده ــ أي حقيقة الوجود ــ  مختلفة بالكمال والنقص ، وما به الفقر هو معلول لغيره . وهذا الإشكال أشار إليه الملا صدرا إلا أنه لم يرتضه ، وانحاز إلى ما ذهب إليه قومه من الدفاع عنه ، ورمى خصومه بذهولهم عن بعض المقدمات إذ يقول : (الباحثين من المتأخرين لذهولهم عن بعض مقدمات هذا البرهان أو ضعف عقولهم عن إدراك معنى الأشد والأضعف في حقيقة الوجود ربما يقع بينهم الاعتراض على هذا المنهج تارة بأنه لا معنى لكون حقيقة واحده مختلفة بالكمال والنقص بحسب أصل تلك الحقيقة حتى يكون ما به الاتفاق وما به الاختلاف معنى واحدا)([1]).

ثم رده بما يعتقد به من وجود غني ومفتقر أي أنه توسد في عقيدته في رد ما ذكروه . وما ذكره لا إشكال فيه ، إلا أن محل الخلاف ليس في ذلك ، وإنما في إدراك العقل من حقيقة الوجود ـــ مجردا عن الإيمان المسبق ـــ اشتراكه ما بين الشديد والضعيف ، حيث يقول : (كون الوجود حقيقة واحدة ليس ككون الإنسان مهية واحده لأن الوحدة في المهيات ليست مثل الوحدة في الوجود لأن تلك الوحدة ذهنية عارضه للكليات زائدة على ذاتها عارضه لها بعد حذف مشخصاتها فالتقسيم جار بعد عروض الوحدة إياها لأنه عبارة عن ضم قيود متخالفة بالمقسم الواحد بأن تلك المهية الواحدة إما كذا وإما كذا وإما الوجود فليس مهية كليه واحده في الجميع حتى يجرى فيها ما ذكروه من التقسيم كسائر الطبائع الكلية التي يجوز أن توجد في الذهن ويعرضها العموم والاشتراك حتى يرد عليه التقسيم المعتبر فيه الوحدة للمقسم من جنس وحدة الأقسام إن جنساً فجنساً وإن نوعاً فنوعاً وإن شخصاً فشخصاً وقد مر أن الوجود ليس بجنس ولا نوع ولا شخص تحت نوع أو جنس ووحده هذه الحقيقة واشتراكها بين الأفراد والآحاد ضرب آخر من الوحدة والاتحاد فهذا السؤال والاعتراض ساقط بالكلية لأن موضعه ما إذا كان المقسم طبيعة كليه . فإن أورد هذا الكلام في مفهوم الوجود المشترك العام بأنه إن اقتضى الواجبية كان جميع أفراده واجباً وإلا لم يكن في الوجود ما هو واجب بالذات . نجيب بان لفظ الوجود إن كان المراد به الحكاية عن حقيقة الوجود فالأمر كما قلنا وإن كان المراد هذا المفهوم المصدري فلا يقتضى شيئاً وهو كسائر الصفات من العوارض المفتقرة إلى غيرها وليس شيء منها واجب الوجود بل ولا من الموجودات الخارجية لأنه اعتبار عقلي نعم ربما يقال بأنه عين في الواجب زائد في الممكن بمعنى أن ذاته تعالى بذاته مع قطع النظر عن غيره مصداق للحكم بأنه موجود بخلاف الممكن إذ ليس كذلك إلا إذا لوحظ معه غيره)([2]).

ومما يُرد به ما ذكره صدرا هو أن ترجح موجود ما وأن من مصاديقه موجوداً غير معلول ، مفهومان منتزعان من موجود ما ، فهما من الملازمات العامة التي لا مصداق لها غير موجود ما ، وليس هناك أمران خارجاً حتى يكون أحدهما معلولاً والآخر علة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص17.

[2] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص18.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.