(23) هل يوجد اختلاف في التناقض الواقعي والتناقض في كتب المنطق؟

(23) هل يوجد اختلاف في التناقض الواقعي والتناقض في كتب المنطق؟

ج : إن المفيد في الفلسفة والمنطق هو أمور عقلية يعرفها عامة العقلاء حتى غير الدارسين في الحوزة وعلى تعبير السيد الخوئي يعرفها حتى الصبيان([1]) ــ إذ يدركون أن زيداً إذا كان خارج الدار فلا يمكن أن يكون داخله في نفس الوقت ، أي لا يجتمع خروجه من الدار ووجوده فيها في آن واحد ، والذي هو مفاد عدم اجتماع النقيضين . ويدركون أن بدن زيد أكبر من يده ، والذي هو مفاد الكل أكبر من جزئه ونحوهما من المدركات العقلية ــ  وما سوى ذلك لا تجد مطلباً فيهما (الفلسفة والمنطق) إلا وفيه خلاف حتى المسائل المنطقية التي أخذها الدارس أخذ المسلمات من خلال منطق المظفر والتي لم يتردد يوماً ما ويشك في صحتها .

ولكن عند المطالعة خارج حدود منطق الشيخ المظفر سيجد فيها خلافاً ونقاشاً ويرى ما حسبه الحق الصريح فيه كلام وليس كما تصور ، وثمة هنات وقيل وقال.

إن الطالب يقرأ منطق المظفر الذي يقول : (نقيض كل شيء رفعه).

ولم يخطر على ذهنه ويبحث في آراء المناطقة هل أنهم اتفقوا جميعاً على أن نقيض كل شيء رفعه أم يوجد كلام في ذلك ؟!

فمن اقتصر على كتاب الشيخ المظفر يحسب ذلك التعريف ـــ نقيض كل شيء رفعه ـــ حقاً لا ريب فيه . ومن رأى وطالع آراء المناطقة سيجد أقولاً وأنظاراً آخر في تعريف التناقض لربما ما تردد في أحقيته وهو : (رفع كل شيء نقيضه) ومن التجأ لهذا التعريف التجأ إليه هارباً من مما يرد على التعريف الأول حيث أُورد عليه بعض المؤاخذات([2])

يقول الشريف الجرجاني في حواشيه على شرح الرسالة الشمسية معلقاً على  نقيض كل شيء رفعه : (فيه مناقشة ؛ لأن السلب شيء ونقيضه الإيجاب ، وليس الإيجاب رفع السلب وإن كان مستلزماً له ، بل السلب رفع الإيجاب ، فالأولى أن يقال : رفع كل شيء نقيضه ؛ إلا أن يريد بالرفع ما هو أعم من الرفع حقيقة وما هو مساو له ، وبالنقيض ما هو أعم من النقيض حقيقة وما يساويه ، فيظهر حينئذ صدق قوله : نقيض كلّ شيء رفعه)([3]).

وحسن زاده آملي في تعليقه على المنظومة أشار لما في التعريف الذي ذكره الشيخ المظفر من خلاف حتى أنهم قلبوا قول إن نقيض كل شيء رفعه إلى القول بأن رفع كل شيء نقيضه : (المعتنون والمهتمون بتصحيح الألفاظ لما حاولوا تصحيح مقتضي باب التفاعل في التناقض وهو التكرر من الجانبين قالوا : معنى التناقض كون شيئين بحيث يلزم من صدق أحدهما لذاته كذب الآخر . وقد قرع أسماعهم أن نقيض كل شيء رفعه ؛ فتارة قلبوا القول بأن : (نقيض كل شيء رفعه) إلى القول بأن : (رفع كل شيء نقيضه) ، وجعلوا كلا من الطرفين نقيضاً للآخر ، وأما الرفع فهو مختص بجانب السلب دون الثبوت .وتارة ذكروا أن حقيقة التناقض كون المفهومين أحدهما رفعاً للآخر والآخر مرفوعاً ، وجعلوه بهذا المعنى من النسب المتكررة من الجانبين . والأولى أن يقال إن صحة تكرر النقيض والرفع من الجانبين لأجل أن أحد الطرفين نقيض للآخر بالذات ، والآخر نقيض له بالعرض لأنه يصدق عليه نقيض النقيض ورفع الرفع فيكون بينهما تناقض متكرر في الطرفين في الجملة . وهذا القدر كاف في إجراء صيغة التفاعل . والأمر في ذلك سهل عند طالب الحق والغاية الآخرة .وبالجملة لابد أن يكون مفهوم أحد الطرفين بعينه رفع الآخر ، وأما الآخر فغير متعين فيه أن يكون أمراً بخصوصه ، ولا هو مشروط بتخصص معنى إلا عدم كون مفهومه بعينه رفعا لذلك الرفع ، ولا أيضاً مشروط بأن مفهومه المرفوع به بل الواجب أن يكون شيئاً متصفاً بكونه مرفوعاً بذلك الرفع سواء كان هو في نفسه رفعاً لشيء آخر أو لا)([4]).

ومنهم من عرَّفه : (الرفع الحقيقي لكل شيء بحسبه والرفع الحقيقي للسلب هو الإيجاب)([5]).

ولا يتصور بعد ذلك أن محل الخلاف هو في أصل التناقض لأن حقيقته (التناقض) ضرورة عقلية يقضي بصحتها العقل والواقع ، وإنما الخلاف المذكور ونحوه هو في المسائل الفرعية التي لا تخلو منها كل مطالب الفلسفة والمنطق . وما من مطلب لديهم إلا وهم مختلفون فيه ولم يسلم من نقد ومطرح الآراء .

ومن هنا كانوا محقين أولئك الذين يصفون الفلسفة والمنطق بأنهما مما يحجر العقل ولا يوسعه حيث لا ثمرة ترجى من كل مطلب لديهم وهو لم يسلم من سهام النقد وكل فكرة لديهم تلعنها أخرى مثلها. والمفيد منهما كما قلتُ آنفاً مما يدركه عامة البشر. فتنبه لذلك ولا يشتبه عليك أمر الصحيح بالسقيم والثمر الواضح باللغو الزائف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) يقول السيد الخوئي : (وأما علم المنطق فلا توقف للاجتهاد عليه أصلاً ، لأن المهم في المنطق إنما هو بيان ما له دخالة في الاستنتاج من الأقيسة والأشكال كاعتبار كلية الكبرى وكون الصغرى موجبه في الشكل ، مع أن الشروط التي لها دخل في الاستنتاج مما يعرفه كل عاقل حتى الصبيان ، لأنك إذا عرضت على أي عاقل قولك : هذا حيوان ، وبعض الحيوان موذٍ ، لم يتردد في أنه لا ينتج أن هذا الحيوان موذٍ .وعلى الجملة المنطق إنما يحتوي على مجرد اصطلاحات علمية لا تمسها حاجة المجتهد بوجه ، إذ ليس العلم به مما له دخل في الاجتهاد بعد معرفة الأُمور المعتبرة في الاستنتاج بالطبع . والذي يوقفك على هذا ، ملاحظة أحوال الرواة وأصحاب الأئمة (عليهم أفضل الصلاة) لأنهم كانوا يستنبطون الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة من غير أن يتعلموا علم المنطق ويطلعوا على مصطلحاته الحديثة). التنقيح في شرح العروة الوثقى:مبادئ الاجتهاد،ج1،ص12.

[2] ) أشار إليها السيد رائد الحيدري في المقرر عند تعليقه على تعريف الشيخ المظفر للتناقض : (هذا هو التعريف المشهور لنقيض الشيء. وقد أشكل عليه : بأنه كما أن السلب نقيض للإيجاب، فإن الإيجاب نقيض للسلب، مع أنه ليس رفعاً له، وإن كان ملازماً له أي لرفع السلب، لأن مفهوم الإيجاب هو الثبوت لا الرفع. نعم السلب رافع للإيجاب . وقد أجيب عنه : بأن المراد من الرفع أعم من الرفع الحقيقي وما يساويه ويلازمه، والإيجاب وإن لم يكن رفعاً حقيقياً للسلب، إلا أنه مساوٍ وملازم لرفع السلب . وقد أشكل على هذا الجواب : بأنه يقتضي أن يكون أحد الضدين اللذين لا ثالث لهما نقيضاً للآخر، لأنه مساوٍ ملازم لرفعه كالزوجية والفردية، فإن الزوجية مساوية وملازمة لرفع الفردية وعدمها، فيقتضي أن تكون نقيضاً لها . فالأولى أن يقال : إن الرفع الحقيقي لكل شيء بحسبه، والرفع الحقيقي للسلب هو نفس الإيجاب، فكما أن الوجود رفع حقيقي للعدم، فكذلك الإيجاب رفع حقيقي للسلب) المقرر في شرح المنطق،ص291.

[3] ) تحرير القواعد المنطقية في شرح الرسالة الشمسية،ص332

[4] ) شرح المنظومة،ج1،ص265.

[5] ) المقرر في شرح المنطق،ص291.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.