(29) س:بعض العلماء يذمون الفلسفة ويحرمون دراستها إلا أنهم يتعرضون لبعض مطالبها..

 

(29) س : بعض العلماء يذمون الفلسفة ويحرمون دراستها إلا أنهم يتعرضون لبعض مطالبها في أبحاثهم الأصولية فكيف يمكن تفسير ذلك؟

ج : من ديدن العلماء في أبحاثهم الأصولية التعرض لبعض المطالب الفلسفية بسبب تسرب جملة منها إلى علم الأصول؛ فيتناولونها وفقاً لما هو موجود ومتداول في الأبحاث الأصولية ، من غير تبنٍ لها . بل يسهمون في نقدها وبيان سقمها ، فضلاً عن بيان عدم ثمرتها في الأبحاث الأصولية ، كما تعرض السيد الخوئي في أبحاثه إلى نقد جملة من تلك المطالب كقاعدة : (الشيء ما لم يجب لم يوجد) و (السنخية بين الخالق والمخلوق) و (دعوى وجود المجردات)([1]).

ومن المطالب لا يصح إقحامها في علم الأصول ، ولا تترتب عليها ثمرة عملية ، وإنما ساهمت في إفساد علم الأصول كتقدم الشيء على نفسه ، والترجيح بلا مرجح ، وتقدم المعلول على علته ، وتوارد العلل المتعددة على المعلول الواحد ، وصدور المعلولات المتعددة من العلة الواحدة ، ووجود العرض بلا موضوع ، واجتماع العرضين المتماثلين أو المتضادين في موضوعٍ واحد ، والتقدم الزماني المشروط بشرط (محال) ،  وانتفاء الكل بانتفاء الجزء ، وانتفاء المشروط بانتفاء الشرط ، وانتفاء الممنوع بوجود المانع (ضروري) .

إن بعض المطالب الصحيحة المرتبطة بالعقل وعملية التفكر بالرغم من كونها مطالب عقلية ، ليست من مختصات الفلسفة ، إلا أنه جرت العادة على تسميتها بالمطالب الفلسفية ؛ فلا يشتبه عليك الحال بين المتبنيات الفلسفة وبين الأمور العقلية التي لا تختص بها الفلسفة ، كعدم اجتماع النقيضين ، وعدم تقدم الشيء على نفسه ، واحتياج المعلول إلى علته ، وغير ذلك مما هو من مدركات العقل ، ولم تستقل به الفلسفة ، كما لا يشتبه عليك الحال بين صحة بعض المطالب في نفسها ، وبين صحة إقحامها في الأصول ؛ لأنها وإن كانت صحيحة عقلاً ، إلا أنها عديمة الثمرة في علم الأصول ، لكونه من الاعتباريات ، وقد صرَّح بذلك حتى بعض المتبنين للفلسفة مثل السيد الطباطبائي في حاشيته على الكفاية ، والشيخ مرتضى مطهري في الفلسفة والمنهج الواقعي([2]).

وبذلك يتضح أن التعرض لبعض المطالب الفلسفية في الأبحاث الأصولية لا يعني تبني الفلسفة أو الإقرار بمتبنياتها ، وإنما جرت العادة في الأبحاث الأصولية على التعرض لها ونقدها.

وملخص ذلك يمكن إجماله في أمرين:

الأول :  متبنيات فلسفية باطلة ،  وعديمة الجدوى في علم الأصول ، كالسنخية بين الخالق والمخلوق ، وقاعدة الشيء ما لم يجب لم يوجد ونحوهما .

الآخر : أمور عقلية ليست مختصة بالفلسفة ، ولا ريب في صحتها وواقعيتها ، إلا أنه لا يصح إقحامها في علم الأصول ، ولا تترتب عليها ثمرة عملية ؛ لكونه من الاعتباريات مثل عدم اجتماع النقيضين ، وعدم تقدم الشيء على نفسه ونحو ذلك.

وكلا الأمرين يتعرض العلماء لنقده وبيان بطلانه كالأمر الأول ، وبيان عدم الثمرة فيه كالآمر الآخر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) تعرضتُ لهذه المطالب مع ذكر كلام السيد الخوئي في كتاب : (الأوهام الفلسفية) .

[2] ) ذكرتُ كلامهما في كتاب : (التيار الفلسفي في حوزة قم المقدسة) .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.