(117) س : هل عدَّ الملا صدرا النساء من الحيوانات؟!

(117) س : هل عدَّ الملا صدرا النساء من الحيوانات؟!

ج : إن ملا صدرا في حكمته ، في الفصل المعنون  : (عنايته تعالى في خلق الأرض وما عليها لينتفع بها الإنسان) عدَّ المرأة من الحيوانات : (تولد الحيوانات المختلفة وبث فيها من كل دابة بعضها للأكل والأنعام خلقها لكم فيها دف ء ومنافع ومنها تأكلون وبعضها للركوب والزينة والخيل والبغال لتركبوها وزينه وبعضها للحمل [وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ]([1]).وبعضها للتجمل والراحة ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وبعضها ــ أي المرأة ــ للنكاح والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وبعضها للملابس)([2]).

وأشار الملا هادي السبزواري إلى أن إدراج المرأة في سلك الحيوانات بسبب ضعف عقولهن  : (في إدراجها في سلك الحيوانات إيماء لطيف إلى أن النساء لضعف عقولهن وجمودهن على إدراك الجزئيات ورغبتهن إلى زخارف الدنيا كدن أن يلتحقن بالحيوانات الصامتة حقاً وصدقاً أغلبهن سيرتهن الدواب ولكن كساهن صوره الإنسان لئلا يشمئز عن صحبتهن ويرغب في نكاحهن ومن هنا غلب في شرعنا المطهر جانب الرجال وسلطهم عليهن في كثير من الأحكام كالطلاق والنشوز وإدخال الضرر على الضرر وغير ذلك خلافاً لبعض الأديان في بعض الأحكام)([3]).

وقد حاول السبزواري تبرير كلام الملا صدرا بغير وجه حق ، وتحسين قبح ما جاء به، وإضفاء صبغة شرعية عليه ، وهذا أسوأ مما جاء به الملا ؛ إذ يحاول نسبة ما جاء به من قبح إلى الشرع .

ولا بأس بالإشارة إلى ثمة أمور متعلقة بذلك إجمالاً :

أولاً : إن ما ذكره الملا صدرا من جعل المرأة في عداد الحيوانات لم يكن من آرائه المستقلة، وإنما انطلاقا من تأثر في الفلسفة اليونانية([4])، ولولا هذا التأثر لما صدر منه مثل هذا الكلام . وهو من أوضح ما يدل على ابتعاده عن القرآن والحديث، واستقائه من الفلسفة اليونانية.

ثانياً : إن بعض المتأثرين في الفلسفة والتصوف بعد زمن الملا صدرا لم يتجرؤوا على انتقاد آرائه، ولو كانت بغير دليل ، مع وضوح جذورها المستقاة من الفلسفات الدخيلة على الإسلام ، وكان من أولئك الملا هادي السبزواري ، كما في تبريره لصدرا هذا القول وغيره.

ثالثاً : إن أصحاب الاتجاه الفلسفي حاولوا تصحيح ما جاء به الملا ، وإلصاق النظرة اليونانية إلى المرأة بالإسلام بغير حق ؛ وذلك لأن تحجيم دور المرأة عن بعض الأمور  صونا لها وحفظا على حجابها وعفتها ، فمن الغريب أن يُجعل ما في الإسلام مما يعزز مكانة المرأة ويصون كرامتها دليلاً على ضعتها !

رابعاً : إن بعض الحِكَم التي تحطُّ من قيمة المرأة مصدرها الثقافة اليونانية ، إلا أنها نُسبت إلى أمير المؤمنين عليه السلام اشتباهاً . والسبب في ذلك أن ابن أبي الحديد نقلها في الجزء العشرين من شرح نهج البلاغة ، فتوهم بعضهم أنها من كلامه (عليه السلام) . والحال أن ابن أبي الحديد بعد الانتهاء من شرح نهج البلاغة في هذا الجزء ألحق به بعض الحِكَم ، منها هو مشهور عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومنها ما هو منسوب إليه وغير مشهور ، ومنها ما هو منسوب إلى غيره ، حيث يقول : (هذا آخر ما دونه الرضي أبو الحسن رحمه الله من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في (نهج البلاغة) قد أتينا على شرحه بمعونة الله تعالى . ونحن الآن ذاكرون ما لم يذكره الرضي مما نسبه قوم إليه ، فبعضه مشهور عنه ، وبعضه ليس بذلك المشهور ، لكنه قد روى عنه وعزى إليه ، وبعضه من كلام غيره من الحكماء  ولكنه كالنظير لكلامه والمضارع لحكمته)([5]).

فهذا الكلام لم ينقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ، وإنما ألحقه به بعد الانتهاء منه ، ولم ينسبه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ، كما نسب إليه ما ورد في نهج البلاغة .

 وعند الرجوع إلى المصنفات المتقدمة على ابن أبي الحديد نجده منسوباً إلى مزبّد ؛ فقد نقله أبو حيان التوحيدي (ت:414هـ) عنه : (رأى مزبّد رجلاً كبير الأنف وفيه شعر كثير فقال : كأنما ملئ أنفه شسوعاً . وقال : المرأة كالنعل يلبسها الرجل إذا شاء لا إذا شاءت)([6]).

ومنصور الآبي (ت:421هـ) نقلها تحت عنوان (قالوا) : (قالوا : المرأة كالنعل يلبسها الرجل إذا شاء لا إذا شاءت)([7]).

خامساً : إن جعل المرأة في عداد الحيوانات بخلاف منطق القران والحديث ؛ إذ لم تكن النظرة فيهما إلى المرأة على هذا المستوى .

ــــ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ

ــــ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ

ــــ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ

ــــ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا

ــــ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

ــــ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ

ـــ [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا]

ـــ [إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا].

إن النصوص الدينية سواء أكانت قرآنية أم روائية لا يظهر منها ما يدل على اختلاف المرأة والرجل في الإنسانية ، أو أن المرأة بمنزلة الحيوانات ، أو تُنزل منزلتها ، أو نحو ذلك . وهذا من المسلَّمات التي لا تحتاج إلى إقامة دليل أو إثبات.

ومن أعظم النصوص في ذلك ما روي عن أمير المؤمنين : (وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم . ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم ، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق)([8]). فهذا النص يدل على أن جميع الناس، رجالاً ونساءً، يشتركون في أصل الخلق والإنسانية ، ولم يفرق بينهم في ذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) سورة النحل : 7 .

[2] ) الحكمة المتعالية،ج3،ص163.

[3] ) حاشية السبزواري على الحكمة المتعالية،ج3،ص163.

[4] ) انتقاص الفلسفة اليونانية من المرأة والحط من قيمتها مما لا ريب فيه ، ولا سبيل إلى إنكاره ، وتوجد في ذلك بعض الدراسات كما في كتاب : (مكانة المرأة عند اليونان) ، (أفلاطون والمرأة) ، (أرسطو والمرأة) .

[5] ) شرح نهج البلاغة،ج٢٠،ص251.

[6] ) البصائر والذخائر،ج5،ص37.

[7] ) نثر الدر،ج4،ص116.

[8] ) نهج البلاغة (شرح محمد عبده)،ج3،ص84.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.