س : ما رأيكم فيمن يطعن في الإسلام بسبب تشريعه للرق ؟
س : ما رأيكم فيمن يطعن على الإسلام تشريع الرق؟
ج : كان الرق قبل الإسلام جزءاً من النظام الاقتصادي والاجتماعي السائدين ، كما يُعدّ التعامل اليوم بالدولار أو الذهب جزءاً من النظام الاقتصادي العالمي؛ إذ كان امتلاك العبيد والإماء من مظاهر الثروة، وعنصراً أساسياً في إدارة شؤون الحياة لدى كثير من أصحاب الأموال .
وبعبارة مختصرة : إن الرق لم يكن نظاماً أوجده الإسلام، بل كان نظاماً متجذراً في مختلف الأمم والحضارات قبل الإسلام.
وقد تعددت وسائل الاسترقاق ، فمنها أن يضطر الفقير أو المدين إلى بيع نفسه ، أو بعض أولاده لسداد دينه، ومنها النهب والاختطاف بين القبائل والعشائر، ومنها أسرى الحروب، حيث كانوا يُساقون إلى أسواق الرقيق للبيع.
وقد جاء الإسلام في ظل هذا الواقع الاجتماعي والاقتصادي المتجذر، الذي لا يمكن تغييره بصورة مفاجئة ؛ فاقتضت الحكمة معالجته بالتدرج.
وعمل الإسلام على إنهاء ظاهرة الرق تدريجيًا من خلال الحد من مصادره ، فحرَّم استرقاق الأحرار، ومنع الإنسان من بيع نفسه بسبب الدين أو غيره : [وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ] ، كما حرَّم بيعَ الحر وشراءه ؛ فلا يجوز للإنسان أن يبيع نفسه، أو أحداً من أولاده ، من أجل سداد دينه، كما لا يحق للدائن أن يسترقَّه أو يسترقَّ أحدًا من أولاده ؛ لأن هذا الباب قد أُغلق وسُدَّ.
وأبطل الاسترقاق الناتج عن الاعتداء والغزو بين القبائل، كما نظَّم أحكام الأسر في الحروب المشروعة على أساس التبادل بين الأسرى ـــ أما العبيد الموجودون بالفعل عند ظهور الإسلام، فلم يُلغِ ملكيتهم دفعة واحدة؛ مراعاةً للواقع الاجتماعي والحقوق المالية القائمة، بل وضع تشريعات متعددة تؤدي إلى تحريرهم تدريجيًا مع حفظ حقوق مالكيهم ـــ وبذلك يكون الإسلام قد أغلق معظمَ مصادر الرق وأهمها ، بل رغب في العتق من خلال الأحاديث التي تدل على أن فيه ثواب عظيم ، وأنه يوجب العتق من النار ونحو ذلك.
وجعل عتق الرقاب من أفضل خصال الكفارات في عدد من المخالفات الشرعية، مثل الإفطار العمدي في شهر رمضان، والقتل الخطأ، والظهار، وبعض موارد الحنث باليمين. وقد أدى ربط الكفارات بتحرير العبيد إلى إيجاد دافعٍ دائم لعتقهم ، مما أسهم تدريجيًا في تقليل أعدادهم وتجفيف هذه الظاهرة حتى انتهت مع مرور الزمن.
ومن الوسائل التي شرعها الإسلام للتخلص من الرق المكاتبة، وهي أن يتفق العبد مع سيده على دفع مبلغ من المال مقابل تحريره . فإذا تم عقد المكاتبة لزم الوفاء به، وصار العبد حرًا بعد أداء ما اتُّفق عليه، كما حث الإسلام على إعانة المكاتبين حتى ينالوا حريتهم.
إن الإسلام اعتمد وسائل متعددةً للقضاء على ظاهرة الرق بصورةٍ تدريجية دون اللجوء إلى إلغاء مفاجئ قد لا يكون قابلاً للتطبيق. وقد أسهم هذا المنهج في تراجع الرق بشكل كبير بين عامة المسلمين، كما أن بعض العبيد اختاروا البقاء مع مواليهم بعد عتقهم لما وجدوه من حسن المعاملة، مع ثبوت حريتهم وولائهم لهم.
ومنه يتضح أن ما يثيره أعداء الإسلام وبعضُ التنويريين من شبهات حول موقف الإسلام من الرق لا يقوم على أساس صحيح.