(40) س :هل وفق الخواجة الطوسي بين الفلسفة وعلم الكلام؟
(40) س :هل وفق الخواجة الطوسي بين الفلسفة وعلم الكلام؟
ج : قد قيل إن الخواجة نصير الدين الطوسي هو أول من وفق بين الفلسفة وعلم الكلام، وذلك في كتابه المعروف بـ: (تجريد الاعتقاد). وكان الشيخ المظفر يقول عن التوفيق بين الفلسفة والكلام : (الواضع لبذرتها الخواجة نصير الدين الطوسي في التوفيق بين الفلسفة والكلام)([1]).
ولكن ما المراد بهذا التوفيق؟ هل أن الأبحاث الكلامية أيدت المطالب الفلسفية ؟ أم أن الأبحاث الفلسفية صيغت بصياغة كلامية ؟ أم أن الأبحاث الفلسفية أيدت المباني الكلامية ؟ أم أن المباني الكلامية صيغت بصياغة فلسفية؟
والجواب : لم يحصل شيء من ذلك بالمعنى الدقيق؛ فإن الخواجة الطوسي كل ما فعله في (تجريد الاعتقاد) أنه وضع المقاصد الأربعة المتعلقة بعلم الكلام، بعد مقصدين متعلقين بالفلسفة؛ لأن كتاب التجريد عبارة عن ستة مقاصد : منها مقاصد فلسفية مستقلة عن علم الكلام، ومنها مقاصد كلامية مستقلة عن الفلسفة ؛ فلم تدخل الفلسفة في علم الكلام على نحو الامتزاج بين مبانيهما، وإنما اجتمعت في الكتاب أبحاث تنتمي إلى كلا المجالين.
ودخول الفلسفة لعلم الكلام كدخولها لعلم الأصول لا واقع له ، وإنما أُقحمت المطالب الفلسفية في الأصول في غير موضعها، كما لا يصح أن يُقال إن مجرد إدخال بعض المطالب الفلسفية في علم الكلام يحقق التوفيق بينهما. بل إن بعض الأبحاث الفلسفية التي أُدخلت لعلم الكلام تتنافى مع ضروريات الدين مثل بحث : (علم الله حضوري أم حصولي) وقاعدة (الشيء ما لم يجب لم يوجد) و (قدم العالم) وغيرها من المطالب الفلسفية التي تم التعرض لها تحت عناوين مستقلة في كتاب (الأوهام الفلسفية).
وكذلك بعض المصطلحات الفلسفية التي زجت في علم الكلام مثل: (واجب الوجود)، و(علة العلل)، و(أصل الأصول)، و(غيب الغيوب)، و(الضرورة الأزلية) ، و(الطبيعة الواجبية) ونحوها مما نُعت الله عز وجل بها تتنافى مع القول بتوقيفية الأسماء الذي ذهب إليه علماؤنا تبعاً للنصوص الدينية([2]).
وبسبب تقاطع الفلسفة مع العقائد والجدل الذي دار بين الفلاسفة والمتكلمين حول بعض المطالب تُوهم الممازجة والتوفيق بينهما ، أو دخول الفلسفة في علم الكلام . وأكثر موارد التقاطع متعلقة بالله تعالى ـــ من قبيل قاعدة (الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد) وقاعدة (الشيء ما لم يجب لم يوجد) والسنخية بين العلة والمعلول ؛ لأن الفلاسفة قالوا العلة الأزلية لا بد أن تكون علة لما يناسبها وهذا يعني التشبيه ـــ وهذه المطالب مع عدم ثبوتها بدليل شرعي، يلزم منها المخالفة لضروريات الدين والتوحيد صريحاً أو ظاهراً.
ولربما يستغرب بعض غير المتثبتين من هذا الكلام، فأقول لهم: حتى لا تستغربوا يكفيكم أن تطالعوا المقاصد الأربعة في (تجريد الاعتقاد) المتعلقة بعلم الكلام، والإلهيات بالمعنى الأخص التي تختص بوجود الخالق وصفاته في (نهاية الحكمة) وتطالعوا أيضا كتاب : (الباب الحادي عشر) لتعرفوا أن المذكور فيها هو أمور عقلية ــ والمطالب المذكورة فيها أثناء الكتب الفلسفية مأخوذة من علم الكلام ــ وأنه قلما يوجد فيها مصطلح فلسفي.
والخبير الذي له القدرة على المطالعة والتشخيص يدرك ذلك جيداً، ومن هنا فإن السيد الطباطبائي في (الميزان) بعد أن ذكر أسماء الذين راموا التوفيق بين الدين والعرفان، وبين الفلسفة والعرفان، وبين الدين والفلسفة لم يذكر توفيق الخواجة بين الفلسفة وعلم الكلام بل هو لم يذكر التوفيق بين الفلسفة وعلم الكلام بصورة عامة لأن الغائر في بطون الكتب بعيداً عن صخب الغثاء يعلم جيداً أن لا توفيق حاصل في البين.
يقول السيد الطباطبائي في بيان محاولات التوفيق: (رام جمع من العلماء بما عندهم من بضاعة العلم على اختلاف مشاربهم أن يوفقوا بين الظواهر الدينية والعرفان كابن العربي وعبد الرزاق الكاشاني وابن فهد والشهيد الثاني والفيض الكاشاني.وآخرون أن يوفقوا بين الفلسفة والعرفان كأبي نصر الفارابي والشيخ السهروردي صاحب الإشراق والشيخ صائن الدين محمد تركه.وآخرون أن يوفقوا بين الظواهر الدينية والفلسفة كالقاضي سعيد وغيره . وآخرون أن يوفقوا بين الجميع كابن سينا في تفاسيره وكتبه وصدر المتألهين الشيرازي في كتبه ورسائله وعدة ممن تأخر عنه. ومع ذلك كله فالاختلاف العريق على حاله لا تزيد كثرة المساعي في قطع أصله إلا شدة في التعرق ، ولا في إخماد ناره إلا اشتعالا)([3]).
والشيخ باقر الإيرواني حفظه الله في درسه الأول لشرح كتاب (التجريد) طرح سؤالاً : هل كتاب : (تجريد الاعتقاد) كلامي أم فلسفي ؟ وأجاب بأن الكتاب فلسفيٌ كلاميٌ، باعتبار أن قسماً منه فلسفي، وهما المقصدان الأولان من الكتاب، وقسما آخر كلامي كما في المقاصد الأربعة المتبقية. ثم ذكر أنه سمع من الشيخ جوادي الآملي ــ من خلال الإذاعة ــ يقول: إن الخواجة الطوسي كان غرضه إثبات خلافة أمير المؤمنين عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه وآله إلا أنه قدّم لذلك مقدمة في الفلسفة.انتهى
وقد يفهم من هذا النقل أن الخواجة أراد أن يقدم البحث في الإمامة ضمن مقدمات عقلية وفلسفية، بما يساعد على انتشار الكتاب بين المسلمين، إذ لو صدر بعنوان الإمامة فقد يواجه موانع تحول دون انتشاره في بعض البلدان، كتحريم قراءته وغير ذلك.
وملخص ما تقدم أن التوفيق بين الفلسفة وعلم الكلام ــ بالمعنى المتقدم ــ لا واقع له، كما أنه لم يحصل شيء من قبيل صياغة العقائد بلغة فلسفية، أو امتزاج المباني الفلسفية بالمباني الكلامية. وبكل تأكيد المقصود بالفلسفة هنا هو المطالب والأبحاث الفلسفية لا الأمور العقلية.
وكما أن كون (تجريد الاعتقاد) كتاباً فلسفياً كلامياً لا يعني حصول التوفيق بين الفلسفة وعلم الكلام؛ وإنما المراد اشتماله على مباحث فلسفية في قسم منه، ومباحث كلامية في قسم آخر.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ) المقدمة الكاملة للأسفار،ص21 .
[2] ) تناولت بحث توقيفية الأسماء في كتاب : (الأسماء والصفات).
[3] ) تفسير الميزان،ج5،ص283.