دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (14) الادعاءات والتفخيم لبرهان الصديقين

دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (14)

الادعاءات والتفخيم لبرهان الصديقين

إن الفلاسفة والمتأثرين في الاتجاه الفلسفي عمدوا إلى تعظيم هذا البرهان ،وادعوا كونه أوثق وأشرف الأدلة في إثبات الصانع ، وإلى غير ذلك من الادعاءات والأوهام التي لا واقع لها إلا في نظرهم ، والتي هي أشبه بالوهم من الحقيقة الذي جاء به أحد الفلاسفة ، وأخذوا في تقليده متفاخرين به على غيرهم ؛ فقد ذكر ابن سينا في الثناء على برهان الصديقين : (هذا الباب أوثق وأشرف ، أي : إذا اعتبرنا حال الوجود فشهد به الوجود من حيث هو وجود ، وهو يشهد بعد ذلك على سائر ما بعده في الوجود . وإلى مثل هذا أشير في الكتاب الإلهي : [سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ]([1]).

ويقول ملا صدرا : (من عرف الحق بالخلق استدلالاً فما عرف الحق حق معرفته ومن قطع النظر عن الخلق وعرف الحق بالحق وما ليس بحق فأنت في الأول صاعد وفي الثاني نازل والأول طريقة المتفكرين في خلق السماوات والأرض حتى يتبين لهم أنه الحق والثاني طريقة الصديقين الذين يستشهدون به لا عليه كما أشير إليه في قوله تعالى :[أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ]([2]) . وهم المجذوبون المحبوبون للحق المشار إليهم في حديث قرب النوافل والسر أن في معرفة الحق لا يمكن أن يحصل من المظاهر بخلاف العكس ليس على ما هو مذكور في العلوم النظرية من أن وجود العلة يقتضي وجود المعلول المعين بشخصه ووجود المعلول لا يقتضي إلا واحدا من العلل لا بخصوصه لأنه غير تام كما يظهر عند المراجعة إلى تلك المباحث بل السر فيه أن المعلول ليس إلا نحواً من تعينات العلة وتطوراته فمن عرف حقيقة العلة عرف شؤونها وأطوارها بخلاف من عرف المعلول فإنه ما عرف العلة إلا بهذا النحو الخاص كمن يرى وجه الإنسان في واحدة من المرائي الكثيرة المختلفة صغراً وكبراً وتحديباً وتقعيراً وقرباً وبعداً صقالة وصداء وكما أن المرآة من حيث هي مرآة لا لون لها أصلاً فإنه ما يراه بما يقتضيه خصوصيته المجلي فتصير بذلك مظهراً بصورة الشخص فكذا للماهيات والأعيان الثابتة نحواً من نور الوجود وعدميتها تصير مظاهر لجمال الوجود الحقيقي وكما أن الألوان المشاهدة في المرآة ليست صفة لها بالذات بل بالمجاز فكذا حال موجودية الماهيات حيث علمت أن الماهيات تصير موجودة من غير أن يصير الوجود نعتا لها بل بأن يصير ظاهراً فيها بحسب صفاتها وقابليتها ودرجات قربها وبعدها من نور الأنوار ولما كان لها نحو من الوجود العلمي فعدميتها ليست حقيقية بل إضافية وهي كما علمت عبارة عن استهلاك تعدد الشؤون في الأحدية الذاتية وقال القونوي في النفحات حقيقة كل موجود هي عبارة عن صورة علم ربه بنفسه من حيث شأنه الذي كان هذا الموجود صورته ومظهره)([3]).

ويقول عبد الرزاق اللاهيجي في برهان الصديقين هم يستشهدون بالحق لا عليه : (إن هذا المنهج أعني منهج الإلهيين هو أوثق المناهج وأقواها وأتمها وأهداها ، وأقلها مؤونة وأكثرها معونة ، ويشبه أن يكون طريق الصديقين الذين هم يستشهدون بالحق لا عليه ، لكونه نظراً في الوجود ، وهو عين حقيقته تعالى فيغني غناء البراهين اللمية ، ويمكن الوصول به إلى معرفته تعالى وإن لم ينظر إلى موجود بالفعل بعد ما فرض إمكان وجوده)([4]).

وهو كما ذكرتُ آنفاً مجرد ادعاءات وأوهام لا دليل عليها ، وما جاءوا به من آيات لا تدل على ما ادعوه إلا على تأويلها وليها بتعسف واضح .

وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى فيما تأولوه من النصوص على المعنى المذكور لبرهان الصديقين ، وهل أنها تنطبق عليه أم لا صحة لذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) الإشارات والتنبيهات (تحقيق الزارعي)،ص276.

[2] ) سورة فصلت : 53.

[3] ) إيقاظ النائمين،ص26.

[4] ) شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام،ج5،ص68.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.