(95) س : هل يمكن أخذ معارف الدين من خلال مؤلفات مدرسة الحكمة المتعالية؟
(95) س : هل يمكن أخذ معارف الدين من خلال مؤلفات مدرسة الحكمة المتعالية؟
ج : إن مؤلفات أصحاب مدرسة الحكمة المتعالية ممزوجة بمعتقدات الفلسفة والتصوف ؛ فلا بد من الحذر الشديد عند مطالعة مصنفات وكلمات أصحاب هذا الاتجاه . بل الحذر بحد ذاته لا يكفي ، لأن الأمر يحتاج إلى من له القدرة على التمييز ومعرفة معارف الدين مما ألصق بها ، لأن دون ذلك يحسب ما ليس من الدين من الدين ولربما حسبه من الأصول الأصيلة فيها والمعتقدات الحقة التي لا ريب فيها.
والسبب في ذلك لأن هؤلاء دخلوا الحوزات الشيعية وصاروا من البارزين فيها فحسبهم الكثير من طلبة العلوم الدينية أنهم كغيرهم من العلماء ناهيك عن عامة الشيعة ؛ فسنى لهم المقام ، وطاب لهم الحال ، وأمنوا خشية المخالف ، فغدوا يخلطون عملاً صالحاً وآخر سيئاً ، ويقدمون بضاعتهم على أنها نهاية العلم والتحقيق ، وتحتوي على أسرار التدقيق إلى جنب الإعلام الداعم لهم مع قلة التأليف لمن خالفهم في زمانهم لأسباب متعددة.
ثم لما تمكنوا في نفوس الشيعة ووقعوا موقع القبول ، وحسبت الشيعة أنهم موافقوهم في الفروع والأصول دلسوا على الضعفاء ترويجاً لأذواقهم وتحكيماً لعقائدهم كما يقول الشيخ أبو جعفر الخراساني (ت:1397هـ) متحدثاً عن أصحاب الفلسفة والعرفان : (هؤلاء الطائفة من بدء حدوثهم إلى الغاية ، لم يكونوا متميزين عن الشيعة كسائر الفرق من الزيدية والفطحية والواقفية وغيرهم حتى يحترز منهم ؛ بل كانوا مختلطين بهم ، متوافقين لهم في الفروع ومتظاهرين معهم بالرسوم . فحسن ظن الشيعة بهم واكتفوا بذلك منهم ، زعماً أن التشيّع بمحض ملازمة الفروع ، ومراقبة الرسوم . فبذلك خلطوا أنفسهم الشيعة ، خلطاً لا يخطر ببال أهل الظاهر غير الاتحاد .إذ هم لا يعرفون أن الوحدة في الفروع والرسوم ، غير الوحدة في الاعتقاد. فأخذوا منهم ما أدخلوه بحسن الظن بهم من غير انتقاد ؛ سيما أنهم اختلقوا في جميع المآرب ، حتى الشؤون والمناصب . فاختلطوا بهم في المحافل والجماعات والمدارسة والتدريس ، والتأليف والتصنيف في الفقه والحديث والتفسير وغيرها ، والقضاء والإفتاء ورئاسة العامة ، والوعظ والتذكير والمناظرة لأهل الخلاف والشقاق ؛ بحيث لا يبقى مجال توهم الافتراق . خصوصاً مع ملازمتهم للزهد في الحلال والتقوى الظاهرية التي تشهد بحسن الحال . فلما تمكن أهل الفلسفة في نفوس الشيعة ووقعوا موقع القبول ، وحسبت الشيعة أنهم موافقوهم في الفروع والأصول ، دلّسوا على الضعفاء ترويجاً لأذواقهم وتحكيماً لعقائدهم ، وصداً لهم عن مراجعة أحاديث أهل البيت عليهم السلام ؛ لئلا يظهر لهم خلاف ما أسسوا أو شك فيما دسّسوا بأمور ، أوجبت مزيد الاعتماد عليهم ، ومسارعة طلبة العلم إليهم . فاستبق إليهم قوم لم يستحكموا العلم ولم يستضيئوا بنور الهدى ، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق . فدرسوا عندهم وتعلموا منهم ، حتى اشرب أذواقهم تلك الأذواق ، ورسخت في قلوبهم رسوخ الماء في الأجسام الرقاق ، فحسبوا أنها إفاضة واشراق ، فنشئوا عليها نشأ الشجر في الطين ؛ فزعموا أنها هي الدين . ثم برزوا في الفن فأخذوا في التصنيف ، فنمى اسمهم وسما ذكرهم ، حتى عرفوا برجال العلم والتأليف . ثم خاضوا في التدقيق بنقل الأقوال وضروب الاستدلال ، حتى وصفوا بأهل التحقيق . فالبستهم الرئاسة لباسها ، وأحكمت لهم أساسها ، فوطأت الرجال أعقابهم ، وزاحم الناس أبوابهم ، فاتقى أهل البصيرة خلافهم ، إذ صاروا كبراء القوم وأشرافهم ؛ فإن مخالفة الأكابر من أكبر الذنوب عند أهل الظاهر . كذلك دست الأذواق الفلسفية والعرفانية في معارف الشيعة الإمامية ؛ فجرت وسرت في عامهم وخاصهم ، إلا القليل ممن عصمه اللّه ، إلى أن آل الأمر في هذا الزمان إلى أن الإسلام والإيمان لا يعرفان إلا بالفلسفة والعرفان . وهيهات ! [إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ]([1]) ، [وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ]([2]) ، [وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا]([3])، ويقولون ما لا يعلمون . وتلك الأمور هذه : الأول : دعوى أن حقيقة المعارف الإسلامية لا تنال إلا بالفلسفة والعرفان ، وكذلك معنى كثير من الأحاديث لا يعرف إلا بهما . وهذه دعوى يدّعيها كل فريق ، والجميع كما قيل :
وكل يدّعي وصلا بليلى * وليلى لا تقر بذا وذاكا
وذلك لأنهم يزعمون كما هم يزعمون ، أنهم على شيء ، [وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ]([4]). وهيهات ! ليست الحقيقة إلا في بيوت أهل الوحي ، وليس الحق إلا ما صدر عن أهل تلك البيوت . وما الذي يدّعونه [كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا]([5]). كلا فلا المعرفة التي أسسوها ونسجوا عليها معرفة اسلامية ؛ بل هي فضول وزخارف سمّوها أصولاً ومعارفَ . ولا فهم الحديث متوقف على تلك المنسوجات ومبني عليها ، كما أن المعنى الذي يفسرون به بعض الأحاديث على مذاقهم ليس بمعناه ؛ بل هو تطبيق من غير انطباق ، وتأويل على الأذواق ، لا تفسير للمعنى المراد من الحاق . وإنما الذي يهدي إلى المعاني المرادة ، نفس الأحاديث الواردة ، فإن بعضها يفسر بعضاً ، ولكن الفهم والتفريع من تأييد اللّه . الثاني : تكبير فنّهم وأكابرهم بشوامخ الأسامي والألقاب ، والمبالغة والاطراء في المدح والوصف العجاب . فمن تكبيرهم الفن ، أنّ أهل الفلسفة ، سمّوا فلسفتهم ب (الحكمة) ، ثم فسّروها بأنها : (العلم بحقايق الأشياء على ما هي عليها) ، وزاد قوم عليه : (على حسب الطاقة البشرية) ، وقولهم : (إنه لولا الحكمة لم يستقم أمر الدين ، وأنها موهبة إلهية يتطول بها على من يشاء) ، وغير ذلك مما لسنا بصدد استقصائه . ثمّ أوّلوا ونزّلوا عليها الآيات ، مثل قوله تعالى : [وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ]([6]) ، وقوله : [وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا]([7]) ، وكذلك من الأخبار نظائرها . فمن ذا لا تعجبه الفلسفة بعد سماع ذلك ؟! ومن ذا يرغب عن مثل ذلك ؟ فأما العامي ، فيغتر به من غير نكير ، وأما القاصر من أهل العلم وطلبته ، فإنه أيضاً يعجبه هذا الثناء ؛ لأنه غير خبير ، وبفساد الدعوى غير بصير . فلذلك ترى الطالب القاصر ، يسارع في ابتداء أمره إلى تعليم الفلسفة ، اغتراراً بهذا الثناء والاطراء . فيحسبها أنها فضل كبير لا يسعه الجهل بهذا الأمر الخطير ، أو واجب مهم لا عذر له في التقصير ؛ فيتعلّم الفن من مدّعيه ومعتقديه . فيخوض فيه خوض التائه في بيداء التيه ، تقليداً بحسن ظنه بمن يعلّمه ويربّيه . فيرسخ في قلبه شيئاً فشيئاً حتى يتعود عليه أنسه ، وتركن إليه نفسه وينطبع عليه ذوقه وينقلب إليه شوقه ، فيتدرّب له اطمئنان لا يدخله ريبة ، فيتّخذه ديناً يدين به ربه)([8]).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ) سورة الجاثية : 24.
[2] ) سورة الأنعام : 116.
[3] ) سورة المجادلة : 2.
[4] ) سورة الأعراف :30.
[5] ) سورة النور :39.
[6] ) سورة لقمان :12.
[7] ) سورة البقرة :269.
[8] ) هداية الأمة إلى معارف الأئمة،ص3.