من تعظيم الفلاسفة والعرفاء لما لديهم بأمور واهية لا قيمة وواقع لها يقول الشيخ أبو جعفر

من تعظيم الفلاسفة والعرفاء لما لديهم بأمور واهية لا قيمة وواقع لها يقول الشيخ أبو جعفر الخراساني : (من تكبير الصوفية فنهم ، أنهم سمّوا محصول التصوف ب (العرفان) ؛ ثم بالغوا في وصفه وأطرءوا في شأنه بأسنى شأن ؛ فيغتر به الجاهل والقاصر والغافل ، فيحسبه عرفاناً في الحقيقة ، فيطلبه من أهل الطريقة . إذ العرفان من أكبر المواهب ومما لا ينبغي أن يرغب عنه راغب ، أو لا يطلبه طالب ، لو لم يكن طلبه بواجب . وهو أيضاً كالحكمة ، محض التسمية التي لا واقع لها . بل العرفان ، ليس إلا محصول الفلسفة أو هو عينها ؛ والفن واحد ، والاختلاف في الطريق ، ودعوى أن نتيجتها علم ونتيجته شهود).هداية الأمة إلى معارف الأئمة،ص6.

ويقول أيضاً : (إلى أن آل الأمر في هذا الزمان إلى أن الإسلام والإيمان لا يعرفان إلا بالفلسفة والعرفان . وهيهات ! [إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ]، [وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ]، [وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا]، ويقولون ما لا يعلمون . وتلك الأمور هذه : الأول : دعوى أن حقيقة المعارف الإسلامية لا تنال إلا بالفلسفة والعرفان ، وكذلك معنى كثير من الأحاديث لا يعرف إلا بهما . وهذه دعوى يدّعيها كل فريق ، والجميع كما قيل :
وكل يدّعي وصلا بليلى * وليلى لا تقر بذا وذاكا
وذلك لأنهم يزعمون كما هم يزعمون ، أنهم على شيء ، [وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ]. وهيهات ! ليست الحقيقة إلا في بيوت أهل الوحي ، وليس الحق إلا ما صدر عن أهل تلك البيوت . وما الذي يدّعونه [كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا]. كلا فلا المعرفة التي أسسوها ونسجوا عليها معرفة اسلامية ؛ بل هي فضول وزخارف سمّوها أصولاً ومعارفَ . ولا فهم الحديث متوقف على تلك المنسوجات ومبني عليها ، كما أن المعنى الذي يفسرون به بعض الأحاديث على مذاقهم ليس بمعناه ؛ بل هو تطبيق من غير انطباق ، وتأويل على الأذواق ، لا تفسير للمعنى المراد من الحاق . وإنما الذي يهدي إلى المعاني المرادة ، نفس الأحاديث الواردة ، فإن بعضها يفسر بعضاً ، ولكن الفهم والتفريع من تأييد اللّه . الثاني : تكبير فنّهم وأكابرهم بشوامخ الأسامي والألقاب ، والمبالغة والاطراء في المدح والوصف العجاب . فمن تكبيرهم الفن ، أنّ أهل الفلسفة ، سمّوا فلسفتهم ب (الحكمة) ، ثم فسّروها بأنها : (العلم بحقايق الأشياء على ما هي عليها) ، وزاد قوم عليه : (على حسب الطاقة البشرية) ، وقولهم : (إنه لولا الحكمة لم يستقم أمر الدين ، وأنها موهبة إلهية يتطول بها على من يشاء) ، وغير ذلك مما لسنا بصدد استقصائه . ثمّ أوّلوا ونزّلوا عليها الآيات ، مثل قوله تعالى : [وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ] ، وقوله : [وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا]، وكذلك من الأخبار نظائرها . فمن ذا لا تعجبه الفلسفة بعد سماع ذلك ؟! ومن ذا يرغب عن مثل ذلك ؟ فأما العامي ، فيغتر به من غير نكير ، وأما القاصر من أهل العلم وطلبته ، فإنه أيضاً يعجبه هذا الثناء ؛ لأنه غير خبير ، وبفساد الدعوى غير بصير . فلذلك ترى الطالب القاصر ، يسارع في ابتداء أمره إلى تعليم الفلسفة ، اغتراراً بهذا الثناء والاطراء . فيحسبها أنها فضل كبير لا يسعه الجهل بهذا الأمر الخطير ، أو واجب مهم لا عذر له في التقصير ؛ فيتعلّم الفن من مدّعيه ومعتقديه . فيخوض فيه خوض التائه في بيداء التيه ، تقليداً بحسن ظنه بمن يعلّمه ويربّيه . فيرسخ في قلبه شيئاً فشيئاً حتى يتعود عليه أنسه ، وتركن إليه نفسه وينطبع عليه ذوقه وينقلب إليه شوقه ، فيتدرّب له اطمئنان لا يدخله ريبة ، فيتّخذه ديناً يدين به ربه) هداية الأمة إلى معارف الأئمة،ص4

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.