(24) س : كيف يمكن تقييم الفلسفة؟

 

(24) س : كيف يمكن تقييم الفلسفة؟

ج : إن تقييم الفلسفة لا يمكن أن يتم من خلال كتاب أو كتابين ، أو من خلال بعض الكتب التي تدرس في الحوزة ؛ لأن الفلسفة ذات أبعاد وحيثيات متعددة ، أو قل الاتجاه الفلسفي محمل بالكثير من الأمور التي لا بد أن تلحظ جميعها في نظر الاعتبار عند تقييم الفلسفة وإبداء النظر فيها ؛ فمن تلك الأمور :

 النصوص الفلسفية وما تحمل بعضها من معانٍ مخالفة للدين . ومنها تأويل النصوص كما هو ديدن أصحاب هذا الاتجاه ، والذي هو عبارة عن التفسير بالرأي ، ولا قيمة معرفية صحيحة له . وهذا إضافةً لما فيه من التفسير بالرأي يأتي بمعانٍ لا تمت للدين بصلة ويعدها منه .  ومن تلك الأمور : الإتيان بمعتقدات دخيلة على الإسلام ونسبتها إليه . ثم تأويل النصوص لتأييدها ؛ فما كان اعتقادهم فيها انطلاقاًً من النصوص ، وإنما بناءً على التأثر في تلك الفلسفات . ثم صاروا إلى محاولة التأويل إضفاءً للقبول عليها وغير ذلك .

 وبما يحمل التيار الفلسفي من انحرافات ومخاطر في الإسلام منذ ترجمة كتب الفلسفة ودخولها إلى الإسلام وإلى يومنا هذا ، مما تسبب في صرف المسلمين إلى الفلسفة وإشغالهم عن المهم من أمور دينهم ، بما في ذلك بعض طلبة الحوزة حيث شغلت الفلسفة الكثير منهم عن دراستهم ، وصارت مقصودهم الأسمى فصدتهم عن الغاية القصوى من دخول الحوزة.

ومنها توهم أن أعرف الناس في العقائد ومعارف الدين هم أصحاب الفلسفة ، ولا قيمة للفقهاء في ذلك وإنما هم يقفون على الخط الهامشي للدين ، ولذا صار أصحاب الفلسفة يسمونهم بالقشريين وغير ذلك . ولم يعوا أن هذه الأمور التي يعتبرونها قشرية لهي خير من فلسفتهم وما تحمل من أوهام لا قيمة لها ، ومخالفات للدين يتطلب الاستعاذة بالله من غيها وليس التفاخر بها.

ولا تحسب ذلك مجرد فرض وإنما هو أمر واقع ومتفشي في بعض طلبة الحوزة وغيرهم ، حيث يحسبون أصحاب الفلسفة أهل التخصص في القرآن ومعارف الدين أكثر من الفقهاء ، مع أن الفقهاء أكثر تبصراً ودرايةً في معارف الدين من هؤلاء ؛ لما لديهم من انضباط وتقيد في النص الديني بخلاف أصحاب الاتجاهات الدخيلة على الإسلام.

ومن تلك الأمور التي لا بد أن تلحظ عند تقييم الفلسفة هو تمسكهم وغرورهم بما لديهم من اتجاه سقيم ومعتقدات باطلة . بل رمي المنتقد لهم على ذلك بعدم الفهم ونحوه حتى لمن كان منهم واتضح له غيهم بعد ذلك ورجع لصواب عقله كما يقول الشيخ أبو جعفر الخراساني : (تحقير من خالفهم وأنكر عليهم بالتجهيل ، كائناً من كان ، وإن كان من أجلة من يستحق التبجيل والتجليل . فيرمون قاطبة الفقهاء وأهل الفضل والتحقيق في الفرق والفنون ، بأنهم : جاهلون ، قاصرون عن درك الدقائق أو الوصول إلى صقع الحقائق ، بل قاصرون عن فهم كلامنا ، فكيف عن تحمل مقامنا . وهم يعممون بهذا الطعن كل من خالفهم من غير استثناء ولا استحياء ، حتى من كان منهم ، فاستبصر ، فضلاً عمن كان بصيراً منهم أو أبصر . وهذا من خواص هذين الفريقين ــ يقصد فريق الفلسفة والعرفان ــ إذ ليس لهم عن الحق جواب ، فيعارضون الخصوم بالسباب ، وهذه الرذيلة ممن يدعي الحكمة والعرفان عجاب)([1])

وعلى هذا لم يكن من الرأي الصحيح ، والقول السديد تقييم الفلسفة والاتجاه الفلسفي من خلال كتاب أو كتابين . بل يتطلب لحاض جميع هذه الأمور ، أي المعتقدات الفلسفية وما تحمل من أبعاد وإفرازات خطيرة على الدين.

ومما يجدر التنبيه إليه هو أن دراسة المتون الفلسفية بحد ذاتها لا تجعل الطالب متخصصاً فيها ، وتمنحه دور التقييم ما لم يكن مطلعاً على جذور المطالب ، وواقفاً على المخالف منها للدين ، وما فيه من جدل وكلام ؛ لأن الكثير من الدارسين يمرون على المعتقدات الفلسفية الباطلة غير ملتفين لوجه المحذور فيها ناهيك عن عدم إمكان التقييم وعدم صحة الأخذ برأيهم في الفلسفة.

والغريب أن منهم لمجرد دراسته لبعض الكتب الفلسفية يحسب نفسه من المتخصصين ، وممن له الحق في إبداء النظر فيها ، وهو لم يعرف جذور مطالبها ، ولا موارد الجدل والخلاف فيها ، ولا يعرف أين تتقاطع مطالبها مع الدين ، ولا تستغرب إذا ما قلت لك مضافاً لذلك تجده مغروراً فيها ومستنكراً لمن انتقد مطالبها ! وما أكثر من اغتر بجهله وابتعد عن صواب رشده.

ــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) هداية الأمة إلى معارف الأئمة،ص7.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.