دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (17) مؤاخذات سبب الأوثقية في برهان الصديقين

دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (17)

مؤاخذات سبب الأوثقية في برهان الصديقين

إن سبب الأوثقية في برهان الصديقين غير مسلَّم ، وفيه كلام ومؤاخذات تنزع منه سبب الأوثقية وميزته عن برهان العلية ، ولعدم وضوح كونه أوثق المناهج ، وجدت تفسيرات متعددة في بيان الأوثقية أي في كونه أوثق المناهج.  والسبب في ذلك هو أن عده لمياً غير مسلَّم ، ومجال النقض فيه أوضح من أن يُخفى ؛ ولذا صار الكلام واختلافه إلى سبب الأوثقية.

 وقد رد الشيخ النراقي أوثقية برهان اللم على الإن ، وفي إفادة الأول اليقين دون الثاني ، وأشار إلى اشتراكهما في إفادة العلم اليقيني : (لما توقف إثبات مدعاهم على بيان أمرين الأول : بيان كون البرهان اللمي أوثق من الإني ، والثاني : بيان كون هذا المنهج لمياً دون ساير المناهج فقالوا في بيان الأول : وثاقة الدليل إنما هو لأجل إفادته اليقين ، فكل ما كان إفادته لليقين كلياً وأتم كان أوثق وأحكم ، وما يفيد اليقين الكلي التام إنما هو برهان اللم دون الإن. أما عدم إفادته لليقين كلياً لما ثبت واشتهر بين القوم من أن العلم اليقيني الكلي بما له سبب لا يحصل إلا من سببه ، فالإن فيما له سبب لا يفيد اليقين لتوقف العلم اليقيني به على العلم من جهة سببه ؛ وقد صرّح به الشيخ في الشفاء حيث قال ما حاصله : إن الشيء إذا كان له سبب لم يتيقن إلا بسببه ، فإن كان الأكبر للأصغر لا بسبب بل لذاته وكان بين الوجود للأصغر ثم الأكبر بين الوجود للأوسط فينعقد برهان يقيني ، ويكون برهاناً إنياً لا لمياً . وقال في موضع آخر ما حاصله : إن برهان الإن يعطى اليقين في بعض المواضع ، وأما فيما له سبب فلا يعطى اليقين . وقد صرّح بذلك المحقق الطوسي أيضاً في مقام ترجيح طريقة الإلهيين ، حيث قال بعد حكم الشيخ في الإشارات بأوثقية منهج الإلهيين : وذلك لأن أولى البراهين بإعطاء اليقين هو الاستدلال بالعلة على المعلول ، وأما عكسه : الذي هو الاستدلال بالمعلول على العلة فربما لا يعطى اليقين إذا كان للمطلوب علة لم يعرف بها. وأما عدم إفادته لليقين التام فلما اشتهر بينهم من أن العلم بالعلة يوجب العلم التام بالمعلول بخلاف العكس ، فإن العلم بالمعلول لا يوجب إلا العلم الناقص بالعلة . ويرد على الأول : أما أولاً : فبأن البرهان ما أفاد اليقين ، وبرهان الإن قسم منه ، والمقسم وما يعتبر فيه معتبر في القسم ، فكيف لا يفيد بعض أقسام الإن اليقين ؟! . وتوضيح ذلك : إن المنطقيين قد ذكروا إن كل قياس حملي لا بد فيه من مقدمتين مشتركتين في حد يسمى بالحد الوسط ، لأن نسبة محمول المطلوب إلى موضوعه لما فرضت نظرية مجهولة فلا بد من أمر ثالث يفيد العلم بتلك النسبة ، وإلا كفى تصور الطرفين في العلم بتلك النسبة ، فلا تكون نظرية مجهولة بل بديهية معلومة ، وهو خلاف الفرض…وهم كما ترى عرّفوا البرهان بما كان مقدماته بيّنة وكان تركيبها معلوم الصحة ، وجعلوه مقسماً للمي والإني وصرّحوا بلزوم النتيجة المطلقة . فكلامهم صريح في إفادة كل منهما العلم اليقيني القطعي ، لأنه إذا صح الملزوم صح اللازم أيضاً لعدم جواز انفكاك الملزوم عن اللازم . فمن ادّعى عدم إفادة الإن اليقين لزمه القدح إما في تحديد البرهان ، أو في كونه مقسماً للم والإن ، أو في كون النتيجة لازمة ، والكل باطل . فتحقق بذلك اشتراكهما في إفادة العلم اليقيني ولا فرق بينهما إلا في المطلوب : في اللمي إنما يعلم من جهة العلم بما أوجبه وأوجده في الخارج أعني لمه وعلته ، وفي الإني إنما يعلم من جهة أخرى ، فلا يعلم معه لمه وعلته ، بل المعلوم وجوده فقط)([1]).

ومما اعترض عليه الشيخ النراقي قول أحد الفضلاء في توجيه كون برهان الصديقين أوثق البراهين إلا أن الشيخ لم يرتضه حيث ذكر في جامع الأفكار : (قال بعض الفضلاء : حكم الشيخ بأوثقية منهج الإلهيين باعتبار أنه لا يحتاج إلى اعتبار حدوث أو حركة ، بل يكفى التمسك بأصل الوجود ؛ بخلاف المناهج الأخرى ، فأنه لا بد فيها من بيان وجود حادث أو متحرّك ، وهذا وإن كان ظاهراً لكن لا شك أن الأول أوثق . انتهى . وفيه : إن حكم الشيخ بأنه طريقة الصديقين الذين يستشهدون بالحق لا عليه لا يلائم هذا التوجيه ، كما لا يخفى . وقيل : وجه الأوثقية عدم ورود الإيرادات الموردة على طريقة الإمكان من جواز الأولوية الذاتية وشبهة ما قبل المعلول الأخير وغيرهما ؛ وفيه : أنها ترد على منهج الإلهيين أيضاً والجواب مشترك . والأكثر مصرّحون بأن الوجه في أوثقية منهج الإلهيين كونه لمياً دون ساير المناهج)([2]).

ومزية ذكرها بعضهم للبرهان اللمي على الإني مفادها أن البرهان اللمي لا ينفك عن تصور الأطراف على وجه أتم وأكمل ، بخلاف الإني . وقد ناقش فيها الشيخ النراقي من أن تصور الأطراف بالحد والكنه في اللم غير معلوم ، لأنه من العلوم التصورية  : (إلا أن يُقال : إن مقصود القائل إن البرهان اللمي لا ينفك عن تصور الأطراف على وجه أتم وأكمل ، بخلاف الإني ، لا أن العلم الحاصل بالمطلوب من اللمي من حيث إنه حاصل منه يكون أتم من العلم الحاصل به من الإني من حيث إنه حاصل منه ، وهذا القدر يكفي لمزية اللم على الإن . وغير خفي إنا نلتزم مثل هذه المزية ولا ننكره ، إلا أن مبنى هذا الكلام على لزوم تصوّر الأطراف في اللمي بالحد والكنه وفي الإني بالرسم وبالوجه ، وعلى جعل حصول الشيء مما يتوقف عليه من اللم وإن لم يكن علة فاعلية له ، بل يكفى كونه جزء العلة ومن مقوماته . والظاهر أن مجرد حصول الشيء مما يتوقف عليه وأن يكن علة فاعلية من اللم بشرط كونه تصديقاً ، لأن المراد بالعلة هاهنا يجب أن يكون ما يتوقف عليه الشيء مطلقاً لا العلة التامة ولا خصوص إحدى العلل الأربع ، فإن الاستدلال  من المعلول على أي جزء من العلة التامة برهان إني ، والاستدلال من الجزء الأخير للعلة التامة أو يستلزم الجزء الأخير له على المعلول برهان لمي . وأما لزوم كون تصور الأطراف مما يتوقف هذه الأطراف عليه أعني : بالحد والكنه في اللم فغير معلوم ، لأنه من العلوم التصورية التي لا مدخل لها في البرهان الذي هو من العلوم التصديقية ، فلا معنى لاشتراطه في البرهان اللمي . وأنت خبير بأن إتمام أصل الجواب المنقول عن بعض الأفاضل يتوقف على عدم التشكيك في حقيقة العلم المتعلق بالنسبة الخبرية ، وهو محل كلام والنزاع في مثله مشهور)([3]).

ومن ضمن الادعاءات والتفخيمات التي نسبوها لبرهان الصديقين التي لا واقع لها هو القول بأن العلم بالعلة يفيد العلم بخصوصية المعلول ، ، وأما العلم بالمعلول فلا يفيد العلم بالعلة المعينة المخصوصة .  ورده الشيخ النراقي بأن العلم بالعلة إن لم يكن تاماً ، أي لم يعلم العلة بحقيقتها ولوازمها وخواصها وما لها بالقياس إلى نفسها وما لها بالقياس إلى غيرها لم يفد العلم بخصوصية المعلول : (قيل : العلم بالعلة يفيد العلم بخصوصية المعلول وذاته المعينة المخصوصة ، وأما العلم بالمعلول فلا يفيد العلم بالعلة المعينة المخصوصة ، بل يفيد العلم بعلة ما ، لأنه لإمكانه وتساوي الطرفين إلى مهيته محتاج إلى علة من العلل ، فالعلم به يوجب العلم بعلة ما . فالبرهان الإني من حيث اعتباره استدلالا من المعلول على علة ما يفيد اليقين ومن حيث اعتباره استدلالا على العلة المعينة فلا يفيد اليقين ، فهنا علم نظري مخصوص ، أي : العلم المتعلق بالذات المخصوصة المعينة يتوقف تحصيله على جهة العلة ويمتنع حصوله من المعلول . ولا ريب أن العلم بالحقيقة المعينة المخصوصة أولى وأكمل من العلم بحقيقة ما ، فهذا هو الوجه في مزية البرهان اللمي على الإني . ولا ريب أيضا في أن المقصود من البرهان في إثبات الواجب تعالى شأنه إثبات خصوصية العلة للكل اعني : الواجب بالذات ، وبرهان الإن لا يفيد هذا الأمر ، فيجب المصير فيه إلى برهان اللم . والجواب : إن هذا مجرد دعوى لا دليل عليه ، والفرق غير ظاهر عند التأمل . فإن العلم بالعلة إن لم يكن تاماً أي : لم يعلم العلة بحقيقتها ولوازمها وخواصها وما لها بالقياس إلى نفسها وما لها بالقياس إلى غيرها لم يفد العلم بخصوصية المعلول أصلاً ، لأنه لم يعلم صفاتها وخواصها ليعلم أن معلولها يلزم أن يكون على صفة كذا وخصوصية كذا . ولو أفاد مجرد ذلك العلم بخصوصية المعلول لقلنا : العلم بالمعلول أيضاً يوجب العلم بخصوصية العلة وإن لم يكن تاما ، لعدم تعقّل الفرق أصلاً)([4]).

ومن إكبارهم لهذا البرهان فضلوه على برهان الإمكان والوجوب ، وادعوا له خصائص ومزايا تفضله عليه ، مع أن قيمته المعرفية لا تمتاز عن برهان الإمكان والوجوب . كما يأتي الكلام في ذلك عند الفرق ما بين دليل الصديقين ودليل الإمكان والوجوب.

ــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) جامع الأفكار،ج1،ص97.

[2] ) جامع الأفكار،ج1،ص96.

[3] ) جامع الأفكار،ج1،ص103.

[4] ) جامع الأفكار،ج1،ص100.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.