(99) س : هل يمكن أخذ الأوارد من شخص والالتزام معه على ذلك ونحوه؟
(99) س : هل يمكن أخذ الأوارد من شخص والالتزام معه على ذلك ونحوه؟
ج : إن من أراد ذكر الله سبحانه يمكنه أن يختار ما شاء من الأذكار والأدعية وهي كثيرة ، ومثل التسبيح والتهليل والتكبير وغيرها ، وله أن يكررها ما شاء . ولا يتطلب أخذها من أشخاص ، لأن ذلك من مخترعات الصوفية والتأثر بهم . ثم لا يكون بعد ذلك مجرد أذكار ، وإنما الانجرار نحو التصوف ، أي الاستدراج من خلال الأذكار والترغيب في نتائجها.
ولم يكن متعارفاً من سيرة الأئمة ، ولا من سيرة أصحابهم التزام الأوارد والتقيد بأشخاص في سبيل ذلك .
إن مما يستدرج الصوفية به الناس هو إعطاء الأوراد وترغيبهم فيما تؤول إليه من نتائج فينبغي أن لا يُغفل ؛ لذا يتطلب عدم الانسياق لمثل هذه الأمور التي يُستدرج من خلالها للتصوف ، لأن هذه مجرد بدايات تؤدي إلى أودية التصوف .
ومما يلاحظ على الصوفية هو أنهم يتداولون الأوراد التي لم تروَ عن الأئمة عليهم السلام ، وقد تكون مروية إلا أنه لم يُحدد لها وقتاً معيناً فيلزمون مريديهم بأوقات معينة من أجل إغرائهم وترغيبهم . بل مما نقل عن هذه الجماعة التزام الأوراد المخالفة للشرع كما عد السيد المرعشي ذلك من جملة مساوئ الصوفية : (عندي أن مصيبة الصوفية على الإسلام من أعظم المصائب تهدمت بها أركانه وانثلمت بنيانه ، وظهر لي بعد الفحص الأكيد والتجول في مضامير كلماتهم والوقوف على ما في خبايا مطالبهم والعثور على مخبياتهم بعد الاجتماع برؤساء فرقهم أن الداء سرى إلى الدين من رهبة النصارى فتلقاه جمع من العامة كالحسن البصري والشبلي ومعروف وطاوس والزهري وجنيد ونحوهم ثم سرى منهم إلى الشيعة حتى رقى شأنهم وعلت راياتهم بحيث ما أبقوا حجراً على حجر من أساس الدين ، أولوا نصوص الكتاب والسنة وخالفوا الأحكام الفطرية العقلية ، والتزموا بوحدة الوجود بل الموجود ، وأخذ الوجهة في العبادة والمداومة على الأوراد المشحونة بالكفر والأباطيل التي لفقتها رؤسائهم ! والتزامهم بما يسمونه بالذكر الخفي القلبي شارعاً من يمين القلب خاتماً بيساره معبراً عنه بالسفر من الحق إلى الخلق تارة ، والتنزل من القوس الصعودي إلى النزولي أخرى وبالعكس معبراً عنه بالسفر من الخلق إلى الحق والعروج من القوس النزولي إلى الصعودي أخرى فيا لله من هذه الطامات ، فأسروا ترهاتهم إلى الفقه أيضاً في مبحث النية وغيره ورأيت بعض مرشديهم يتلو أشعار المغربي العارف من ديوانه ويبكي ويعتني به كالاعتناء بآيات الكتاب الكريم فتعساً لقوم تركوا القرآن الشريف وأدعية الصحيفة الكاملة زبور آل محمد صلى الله عليه وآله وكلمات موالينا وساداتنا الأئمة عليهم السلام ، واشتغلوا بأمثال ما أو مأنا إليها ، ورأيت بعض من كان يدعي الفضل منهم يجعل بضاعة ترويج مسلكه أمثال ما يعزي إليهم عليهم السلام (لنا مع الله حالات فيها هو نحن ونحن هو) وما درى المسكين في العلم والتتبع والتثبت والضبط أن كتاب مصباح الشريعة وما يشبهه من الكتب المودعة فيها أمثال هذه المناكير مما لفقتها أيادي المتصوفة في الأعصار السالفة وأبقتها لنا تراثا . وخلاصة الكلام أنه آل أمر الصوفية إلى حد صرفوا المحصلين عن العلم بقولهم : إن العلم حجاب وأن بنظرة من القطب الكامل يصير الشقي سعيداً بل ولياً وبنفحة في وجه المسترشد والمريد أو تفلة في فمه تطيعه الأفاعي والعقارب الضارية وتنحل تحت أمره قوانين الطبيعة ونواميس نشأة الكون والفساد ، وأن الولاية مقام لا ينافيها ارتكاب الكبائر بل الكفر والزندقة معللين بأنه لا محرم ولا واجب بعد الوصول والشهود ، ثم إن شيوع التصوف وبناء الخانقاهات كان في القرن الرابع حيث إن بعض المرشدين من أهل ذلك القرن لما رأوا تفنن المتكلمين في العقائد ، فاقتبسوا من فلسفة فيثاغورس وتابعيه في الإلهيات قواعد وانتزعوا من لاهوتيات أهل الكتاب والوثنيين جملاً وألبسوها لباساً إسلامياً فجعلوها علماً مخصوصاً ميزوه باسم علم التصوف أو الحقيقة أو الباطن أو الفقر أو الفناء أو الكشف والشهود وألفوا وصنفوا في ذلك كتباً ورسائل ، وكان الأمر كذلك إلى أن حل القرن الخامس وما يليه من القرون فقام بعض الدهاة في التصوف فرأوا مجالاً ورحباً وسيعاً لأن يحوزوا بين الجهال مقاماً شامخاً كمقام النبوة بل الألوهية باسم الولاية والغوثية والقطبية بدعوى التصرف في الملكوت بالقوة القدسية فكيف بالناسوت ، فوسعوا فلسفة التصوف بمقالات مبنية على مزخرف التأويلات والكشف الخيالي والأحلام والأوهام ، فألفوا الكتب المتظافرة الكثيرة ككتاب التعرف ، والدلالة ، والفصوص ، وشروحه ، والنفحات ، والرشحات ، والمكاشفات ، والإنسان الكامل ، والعوارف ، والمعارف ، والتأويلات ونحوها من الزبر والأسفار المحشوة بحكايات مكذوبة ، وقضايا لا مفهوم لها البتة ، حتى ولا في مخيلة قائليها كما أن قارئيها أو سامعيها لا يتصورون لها معنى مطلقاً وإن كان بعضهم يتظاهر بحالة الفهم ويقول بأن للقوم اصطلاحات ، لا تدرك إلا بالذوق الذي لا يعرفه إلا من شرب من شرابهم وسكر من دنهم وراحهم فلما راج متاعهم وذاع ذكرهم وراق سوقهم تشعبوا فرقاً وشعوباً وأغفلوا العوام والسفلة بالحديث الموضوع المفترى (الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق) وجعل كل فرقة منهم لتمييزها عن غيرها علائم ومميزات بعد اشتراك الجميع في فتل الشوارب وأخذ الوجهة والتجمع في حلقات الأذكار عاملهم الله وجزاهم بما فعلوا في الاسلام . وأعتذر من إخواني الناظرين عن إطالة الكلام حيث إنها نفثة مصدور وتنفس صعداء وشقشقة هدرت غصص وآلام وأحزان بدرت ، عصمنا الله وإياكم من تسويلات نسجة العرفان وحيكة الفلسفة والتصوف وجعلنا وإياكم ممن أناخ المطية بأبواب أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يعرف سواهم آمين آمين)([1]).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ) التعليق على شرح إحقائق الحق،ج1،ص183.