دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (19)الفرق ما بين دليل الصديقين ودليل الإمكان والوجوب
دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (19)
الفرق ما بين دليل الصديقين ودليل الإمكان والوجوب
إن برهان الصديقين يُسلك فيه من حال لازمة لمفهوم موجود ما ؛ فمفهوم موجود ما له حال لازمة في الذهن ، هي ترجّح الوجود على العدم ، إذ لا موجود إلا وهو مترجّح الوجود على العدم . ويسلك من هذه الحال إلى حال أخرى ، وهي أن من مصاديقه وجود علة غير معلولة ؛ إذ المترجّح لا يخلو إما أن يكون مترجّحاً بذاته ، فيكون هو نفسه علة غير معلول ، أو يكون مترجّحاً بغيره فذلك الغير لا بد أن يكون علة غير معلولة ، ولو بواسطة أو وسائط . والحاصل أن ترجّح موجود ما وأن من مصاديقه موجوداً غير معلول مفهومان منتزعان من موجود ما ، فهما من الملازمات العامة التي لا مصداق لها غير موجود ما ، وليس هناك أمران حتى يكون أحدهما معلولاً والآخر علة . وهذا مبني على صياغة من الصياغات الكثيرة لبرهان الصديقين ، وقد تقدم التعرض لها عند : (صياغة برهان الصديقين) و (صياغات متعدد لبرهان الصديقين) .
وأما برهان الإمكان والوجوب يسلك فيه من وجود الممكنات إلى وجود الواجب بمعونة بطلان الدور والتسلسل ، فهو برهان إني يسلك فيه من المعلول إلى العلة .
وبعبارة مختصرة : برهان الصديقين ينطلق من موجود ما ، وبرهان الإمكان والوجوب ينطلق من فرض وجود الممكن.
ومسألة الإمكان والوجوب لم تكن معروفة في الفلسفة قبل الفارابي كما نوه لذلك محقق كتاب (المحصل) للفخر الرازي : (مسألة الإمكان والوجوب لم تكن معروفة في الفلسفة قبل الفارابي ، وأنه قد اخترع هذين الاصطلاحين وشرحهما أبو علي ابن سينا بعده ثم من جاء بعدهما من الفلاسفة أمثال أبى البركات البغدادي استعملهما في إيضاح الاتصال ، أو الرابطة بين اللّه تعالى والكون على معنى بين الواجب الوجود والممكن الوجود)([1]). بَيْنَ
صياغة برهان الإمكان والوجوب
إن صياغة برهان الإمكان والوجوب وتقريره بيّن بصيغ كثيرة تؤدي إلى نفس المعنى والغرض ، فمن ضمنها ما أشار إليه الفخر الرازي في قول الفلاسفة : (الناس قد توصلوا إلى إثبات واجب الوجود بطرق فمن الناس من توصل بطريقة الإمكان وهي معتمد الحكماء قالوا لا شك في وجود الموجودات فإما أن يكون فيها ما يستحيل عليه العدم لذاته أو ليس فيها ما يكون كذلك والأول هو المطلوب والثاني يقتضي القول بصحة العدم على كلها ولا شك في صحة الوجود عليها أيضاً وإلا لم تكن موجودة فإذا صح الوجود والعدم عليها لم يترجح الوجود على العدم إلا لمرجح مؤثر فإذن لكل الممكنات مؤثر وذلك المؤثر يجب أن لا يكون ممكناً وإلا لكان له مؤثر لكونه من الممكنات وإذ ليس ذلك من الممكنات فهو واجب الوجود وذلك هو المطلوب وهذا البرهان مبني على مقدمات أربع قد صححناها ، منها : أن الممكن يحتاج إلى سبب . ومنها : أن ذلك السبب يجب أن يكون أمراً وجودياً . ومنها : أنه يستحيل الدور . ومنها : أنه يستحيل التسلسل . وهذه المقدمات كلها قد صححناها بالبراهين فيما مضى. ومن الناس من زعم أنه لا حاجة في هذا البرهان إلى إبطال الدور وقطع التسلسل قال : لأنا نقول إن كان في الأشياء شيء واجب الوجود فقد حصل المطلوب وان لم يكن فيها شيء واجب الوجود فهي بأسرها ممكنة الوجود وممكن الوجود يستحيل استناد وجوده إلى ممكن الوجود لوجهين : أحدهما أن الممكن لو كان مؤثراً في وجود غيره لكانت ذاته معتبرة في تلك المؤثرية فإن موجودية المؤثر معتبرة في موجديته وذات الممكن من حيث هو هو ممكنة الوجود فلو كان الممكن مؤثراً في وجود غيره لكان إمكانه جزأ من مؤثريته لكن الإمكان يمتنع أن يكون جزأً من المؤثرية لأن الشيء من حيث هو ممكن ليس بواجب ومن حيث هو مؤثر واجب والشيء الواحد بالاعتبار الواحد لا يكون ممكناً وواجبا)([2]).
إن الشيء الواحد لا يكون ممكناً وواجباً وذلك لأنه من الدور ، والذي هو عبارة عن كون الشيء موجداً لثان ، وفي الوقت نفسه يكون الشيء الثاني موجداً لذاك الشيء الأول ، وهو (الدور) ممتنع ؛ لأن مقتضى كون الأول علة للثاني ، تقدمه عليه وتأخر الثاني عنه ، ومقتضى كون الثاني علة للأول تقدم الثاني عليه ، فيكون الشيء بالنسبة إلى شيء آخر ، متقدماً وغير متقدم ، ومتأخراً وغير متأخر وهذا هو الجمع بين النقيضين .
ولكن الفخر الرازي لديه عدة اعتراضات على الإمكان والوجوب قد ردها الخواجة الطوسي في شرحه على الإشارات والتنبيهات من ضمنها : يقول الخواجة الطوسي متحدثاً عن الفخر الرازي : (إنه اشتغل ببيان أن الأمور المذكورة من الإمكان والوجوب والوجود وغيرها لا تصلح للعلية في هذا الموضع وكرر ما ذكره مراراً من كونها أموراً عدمية أو أموراً مشتركة متساوية في جميع الماهيات وما يجري مجراه والجواب بعد ما مر من الكلام عليه أنها على تقدير تسليم كونها أموراً عدمية – ليست عللاً مستقلة بأنفسها بل هي شروط وحيثيات تختلف أحوال العلة الموجدة بها والعدميات تصلح لذلك بالاتفاق)([3]).
وقطب الدين الرازي قرر الإشكال والرد عليه قائلاً : (إن الإمكان والوجود عدميان والمعدوم يستحيل أن يكون علة للموجود . وأجاب الشارح بأنا لم نقل : الإمكان والوجوب علتان بل من شرائط العلة والعدمي صالح لذلك)([4]).
وعلى ما قرر برهان الإمكان والوجوب السيد الطباطبائي في نهاية الحكمة : (كل مفهوم فرضناه ثم نسبنا إليه الوجود فإما أن يكون الوجود ضروري الثبوت له وهو الوجوب ، أو يكون ضروري الانتفاء عنه وذاك كون العدم ضرورياً له وهو الامتناع ، أو لا يكون الوجود ضرورياً له ولا العدم ضرورياً له وهو الإمكان . وأما احتمال كون الوجود والعدم معاً ضروريين له فمندفع بأدنى التفات([5]) . فكل مفهوم مفروض إما واجب وإما ممتنع وإما ممكن . وهذه قضية منفصلة حقيقية مقتنصة([6]) من تقسيمين دائرين بين النفي والإثبات بأن يقال : كل مفهوم مفروض ، فإما أن يكون الوجود ضرورياً له أو لا . وعلى الثاني فإما أن يكون العدم ضرورياً له أو لا . الأول هو الواجب ،والثاني هو الممتنع ، والثالث هو الممكن .والذي يعطيه التقسيم من تعريف المواد الثلاث أن وجوب الشيء كون وجوده ضرورياً له ، وامتناعه كون عدمه ضرورياً له ، وإمكانه سلب الضرورتين بالنسبة إليه . فالواجب ما يجب وجوده ، والممتنع ما يجب عدمه ، والممكن ما ليس يجب وجوده ولا عدمه)([7]).
ومن الصيغ المختصرة في تقرير برهان الإمكان والوجوب : الممكن من حيث هو ممكن لا بد له من موجد ، ولا بد له من الانتهاء إلى الواجب ، لاستحالة الدور والتسلسل .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ) المقدمة على كتاب المحصل،ص27.
[2] ) المباحث المشرقية،ج2،ص448.
[3] ) شرح الإشارات والتنبيهات مع المحاكمات،ج3،ص250.
[4] ) انظر شرح الإشارات والتنبيهات مع المحاكمات،ج3،ص250.
[5] ) للزوم اجتماع النقيقين.
[6] ) والوجه في كونها مقتنصة أن المنفصلة الحقيقية لا يزيد أطرافها عن اثنين ، فكلما زاد أطراف المنفصلة عن اثنين فالمنفصلة مقتنصة من منفصلات حقيقية أخرى لا تزيد أطرافها عن اثنين .من تعليق الزارعي.نهاية الحكمة،ج1،ص72.
[7] ) نهاية الحكمة (تعليق الزارعي)،ج1،ص72.