(129) س:ما رأيكم في الخبر الذي نقله القشيري في أن الإمام الصادق عليه السلام أعطى
(129) س : ما رأيكم في الخبر الذي نقله القشيري في أن الإمام الصادق عليه السلام أعطى ألف درهم لمن اتهمه بالسرقة؟
ج : إن هذا الخبر نقله ابن شهر آشوب في المناقب، والعلامة المجلسي في البحار، عن كتاب (الفنون) لأبي الوفاء علي بن عقيل الحنبلي (ت:513هـ)، وأغلب أجزاء هذا الكتاب مفقودة ، ولم يُطبع منه في عصرنا إلا الشيء اليسير.
ولم أقف على من نقله قبل ابن عقيل سوى عبد الكريم القشيري (ت:465هـ) في رسالته، إذ ذكر فيها: (قيل: إن رجلاً نام بالمدينة من الحاج، فتوهم أن هميانه ــ كيس الدراهم ــ سُرق، فخرج فرأى جعفراً الصادق، فتعلق به وقال له: أنت أخذت هميانى؟ فقال له : ماذا كان فيه؟ فقال: ألف دينار؛ فأدخله داره ووزن له ألف دينار، فرجع الرجل إلى منزله، ودخل بيته فرأى هميانه في بيته، وقد كان توهم أنه سرق؛ فخرج إلى جعفر معتذراً، ورد عليه الدنانير، فأبى أن يقبلها، وقال : شيء أخرجته من يدي لا أسترده)([1]).
والخبر مريب من جهة مصدره ومضمونه، ولا أجزم بوضعه، لكن لا يوجد ما يدل على صحته ولو بحسب الظاهر.
ولهذا يتطلب الإعراض عن ذكره على المنابر ونحوها؛ لأنه يثير لدى المستمعين تساؤلات لا داعي لإشغالهم بها، من قبيل عدم دفع الإمام عليه السلام التهمة عن نفسه، وإعطاء من اتهمه بالسرقة مبلغاً كبيراً،ومدى ملاءمة هذا السخاء مع وجود كثير من الشيعة الذين كانوا يعانون الفقر في زمانه.
ومضافا إلى ذلك فإن هذا الخبر يتناسب مع بعض ما نجده في الحكايات المتداولة عن الصوفية، من عدم المبالاة بدفع التهمة عن أنفسهم، بل تعمد جلب التهمة إليهم وتشويه سمعتهم أمام الناس، ويتناسب مع عدم المبالاة بتحصيل القوت ونحو ذلك مما عُرف عن هذه الجماعة.
ثم إذا كان الخبر مريباً في مصدره ومضمونه، ولم يكن متعارفاً في المصادر الشيعية، ولا حتى العامية، فلا يصح الإعراض عن سيرة الإمام عليه السلام، وما روي عنه في المصادر المعتبرة والتمسك بهذا الخبر.
ونقل أبو طالب المكي (ت:386هـ) هذه الحادثة عن أحد مشايخ الصوفية: (قد أخبرني بعض الأشياخ عن شيخ كان بمكة من العباد أنه اتهم بعض الحجاج بسرقة هميانه لأنه كان قائماً إلى جانبه، فقال له: كم كان فيه فأخبره، فحمله إلى منزله فوزن له من المال، ثم إن أصحابه أعلموه أنهم مزحوا معه وحلَّوا هميانه وهو نائم، فجاء هو وأصحابه إليه فردّوا عليه ماله، فقال: ما كانت لتعود إليّ بعد إذ خرجت هي لكم)([2]).
وعليه فلا يُستبعد أن تُنسب إلى الإمام الصادق أو غيره من الأئمة عليهم السلام، بعض الأقوال والحكايات المتداولة لدى مشايخ الصوفية كما يُحتمل في هذه الحكاية، وفي نسبة الخبر المشهور: (ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله وبعده ومعه) إلى أمير المؤمنين عليه السلام، مع أنه لم يروَ عن رسول الله صلى الله عليه وآله ولا عن أحد الأئمة عليهم السلام في المصادر الشيعية ولا في مصادر العامة، وإنما تداوله مشايخ هذه الجماعة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ) الرسالة القشيرية،ص341.
[2] ) قوت القلوب،ج2،ص56.