تجسم الأعمال ما بين الدين والفلسفة

$0.00

(التحميلات - 33)

التصنيف:

الوصف

 

إن تجسم الأعمال من الأمور التي وقع فيها الخطأ والاشتباه في معرفة معناه والمراد منه لدى الكثير من الخواص فضلاً عن غيرهم ، والتبس فيها المعنى المروي في النصوص بالمعنى الفلسفي حتى اُستدل على المعنى الفلسفي بالمروي في النصوص مع أن لكل منهما معنًى يغاير الآخر . وذلك من خلال التأويل ، لأن مساحته واسعة ، ومما تُصرف النصوص فيها لكي تنسجم وتُطبق على المعنى الفلسفي وإن كان لا يمت إليها بصلة . وفي ذلك دليل واضح على مدى اعتبار التفاسير العرفانية ! وكيف أنها قائمة على تأويل النصوص لكي تنسجم مع بعض المعتقدات القديمة وغيرها مما تذهب بالنصوص إلى ما لا تدل عليه بعيداً عن محتواها.

والتي من تأويلاتها فكرة : (تجسم الأعمال) حيث جذورها في المعتقدات اليونانية كما أقر بذلك ملا صدرا وغيره إلا أن الفلاسفة والعرفاء اصطلحوا على ذلك المعتقد بتجسم الأعمال لِما توهموا استظهاره من بعض النصوص الدينية ـــ ومن هنا لك أن تعرف كم هي المعتقدات في الفلسفات اليونانية والهندية التي اصطلح عليها هؤلاء بمصطلحات معينة إضفاءً للقبول عليها ، ومن ثم تأويل النصوص لكي تنسجم معها ـــ بل هم فسروا الآيات والروايات على ضوئها وحين النظر في الأدلة التي ساقوها يتضح لك حجم التكلف البيِّن والاجترار المصطنع ، حيث لا دلالة في النصوص بيِّنة في ذلك. بل إن الظهور على خلافها وإن زعم بعضهم ظهور بعض الأخبار في ذلك المعتقد.

ومما ينبغي التنبه إليه أن المعضلة لم تكمن في المصطلح ، وإنما في أصل الفكرة والمعتقد الذي اصطلحوا عليه بتجسم الأعمال . وبعبارة أوضح لعل المقصود يتجلى أكثر وضوحاً لمن التبس عليه الحال ولم يتبيَّن له أصل المحذور في القيل والقال : إن المعنى إذا كان صحيحاً لا محذور في تسميته بأي مصطلح كان ، مثل عملية الاستدلال التي اُصطلح عليها بالاجتهاد ، وإذا كان المحذور في أصل المعنى لا يشفع له كل لفظ ومصطلح كالقياس الذي كان يسمى بالاجتهاد . والإشكال في تجسم الأعمال لم يكن مع لفظه وحروفه ، وإنما مع ما يتضمن ذلك المعتقد الفيثاغورسي ــ كما سيتضح لك تعريفه إن شاء الله تعالى ــ الذي ذهب ضحيته بعض الفلاسفة والعرفاء ثم غدوا يلتمسون له شاهداً ومؤيداً في الآيات والروايات من خلال التصرف فيها وتحميلها ما لا تحتمل.

وبذلك يضاف محذور آخر إذ يكون الإشكال في المُستدل له إلى جنب المستدل به ، وهو تأويل الآيات وتطبيقها فيما يبتغون . ولا تستغرب من ذلك فما أكثر وقوعه في التفاسير الفلسفية والعرفانية حيث يأخذون متبنيات الفلسفات القديمة ويحاولون التفتيش عن مؤيد لها في النصوص الدينية ولو من خلال التأويل والمداليل المجملة ـــ غير بيَّنة المراد في المعنى المراد لي العنق إليه ـــ ولهذا كان الشيخ المظفر يصف الملا صدرا بأنه يطبق فلسفته على النصوص الدينية ويفسرها بحسب المتبنيات الفلسفية ، ويفسر المتبنيات الفلسفية من خلال النصوص الدينية([1]) قائلاً : (حتى كتب التفسير التي ألفها على ما يظهر لغرض تطبيق فلسفته على القرآن الكريم)([2]).

ويقول الشيخ المظفر متحدثاً عن توفيق الملا ما بين الدين وفلسفته : (يبالغ في التوفيق بين فلسفته والدين مبالغة تجعله أبعد ما يكون عن الرياء والدجل ، حتى يكاد أن يجعل كتبه الفلسفية تفسيراً للدين ، وكتبه الدينية كتفسير القرآن الكريم وشرح أصول الكافي تفسيراً للفلسفة . ولذا نقول إن كتبه في التفسير وشرح الحديث هي امتداد لفلسفته . والحاصل أن الذي نستوضحه من أسلوبه والتأليف أن له فكرة واحدة يسعى إليها جاهداً في كل ما ألف ، وهي ما تلخصها عبارته المتقدمة من أن الشرع والعقل متطابقان ولهذه الفكرة العميقة جزءان أو طرفان : الطرف الأول تأييد العقل للشرع ، والطرف الثاني تأييد الشرع للعقل . ولكل من الطرفين جعل كتباً : فكتبه الفلسفية ألفها ويستهدف فيها تأييد ما جاء في الشرع الإسلامي بالفلسفة ، وكتبه الدينية ألفها ويستهدف فيها تأييد ما جاء في فلسفته بالشرع . فحق أن نعد كتبه الفلسفية كتباً دينية ونعد كتبه الدينية كتباً فلسفية وهذا معنى ما قلناه آنفاً أن كتبه الدينية كانت امتداداً لفلسفته . وهو بهذا الأسلوب من المزج بين الفلسفة والدين والتوفيق بينهما سواء كان مصيباً أو مخطئاً كان صاحب مدرسة جديدة أخرى هو المؤسس لها حقاً ، وإن كان الواضع لبذرتها الخواجا نصير الدين الطوسي في التوفيق بين الفلسفة والكلام)([3]).

وذلك لأن الملا أُشرب المذهب الفلسفي الصوفي الذي كان سائداً في ذلك الزمان كما ذكر الشيخ المظفر : (أشرب المذهب الصوفي الفلسفي العرفاني الذي كان هو السائد في ذلك العصر)([4]).

وفي زمن العلامة المجلسي كان الكثير من العلماء لديهم تأثر في الفلسفة غير ملتفتين لما في بعضها من مخالفات لضروريات الدين كما يقول العلامة في البحار : (وكثير من أصحابنا المتأخرين يتبعون الفلاسفة القدماء والمتأخرين، والمشائين والإشراقيين في بعض مذاهبهم ، ذاهلين عما يستلزمه من مخالفة ضروريات الدين والله الموفق للاستقامة على الحق واليقين)([5]).

والعلامة المجلسي يقصد أن انتشار هذه الفلسفات في زمان وحدود الدولة الصفوية التي كان التوجه السائد فيها هذه الأمور ، كما تأثر ملا صدرا في الثقافة السائدة في ظل الصفويين .

والكلام عن تجسم الأعمال في هذا المختصر لم يكن في قدرة الله عز وجل عن تجسم الأعمال في يوم القيامة أو نشأة أخرى ، وإنما الكلام في مستند تلك الفكرة بحسب الأدلة التي استند إليها المثبتون لها من خلال النصوص الدينية والأدلة العقلية . وعلى هذا لا شأن له في عالم الثبوت والواقع ، ولا شأن له بالإمكان أي كونه ممكن الوقوع ؛ لأن الإمكان بحد ذاته لم يكن دليلاً على الوقوع.

أعاذنا الله وإياكم من الابتداع بالدين من خلال نفس النصوص الدينية من حيث صرفها عن محتواها تارة ، ومن خلال جعلها مطية لاجترار المعتقدات الدخيلة على الإسلام تارة أخرى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) وهذا هو التأويل الذي يجرف المعنى ويسوقه إلى حيث ما يريد صاحبه.

[2] ) المقدمة الكاملة للأسفار،ص15.

[3] ) المقدمة الكاملة للأسفار،ص20.

[4] ) المقدمة الكاملة للأسفار،ص11.

[5] ) بحار الأنوار،ج71،ص292.