دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (15) برهان الصديقين وما في لميته وإنيته
دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (15)
برهان الصديقين وما في لميته وإنيته
إن الفلاسفة بالرغم من تبنيهم لبرهان الصديقين وتفضيله على سائر البراهين إلا أنهم اختلفوا في لميته وإنيته ؛ فذهب بعضهم إلى القول بكونه برهاناً لمياً ، وبعضهم إلى القول بكونه إنياً ، ومنهم من قال بكونه شبيهاً باللمي .والاختلاف في ذلك مما يدل على الاضطراب في معناه ودلالته .
وابن سينا ممن عده برهاناً لمياً :(إن هذا حكم للصديقين الذين يستشهدون به لا عليه)([1]) أي الاستدلال من خلال الخالق على خلقه.
ومفاد كلام الخواجة الطوسي هو أنه عده برهاناً لمياً لأنه من الخالق إلى لمعلول حيث يقول عن برهان الصديقين : (أولى البراهين بإعطاء اليقين هو الاستدلال بالعلة على المعلول وأما عكسه الذي هو الاستدلال بالمعلول على العلة فربما لا يعطي اليقين وهو إذا كان للمطلوب علة لم يعرف إلا بها)([2]).
والمقداد السيوري في إرشاد الطالبين([3]) عد برهان الصديقين برهاناً لمياً من خلال الاستدلال من الوجود على الخالق سبحانه : (ننظر في الوجود نفسه حتى نشهد بوجود واجب الوجود ، وهي طريقة شريفة أشير إليها في الكتاب العزيز في قوله : [:[أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ]([4])]. وأما المتكلمون فيستدلون : بأن العالم محدث ، وكل محدث مفتقر إلى المؤثر ، فالعالم مفتقر إلى المؤثر ، وهي طريقة الخليل عليه السلام وإليها أشير في الكتاب العزيز بقوله سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ فالأول برهان لمي والثاني إني)([5]).
وأيضاً في اللوامع الإلهية عده برهاناً لمياً ، ولكن من حيث الاستدلال به تعالى على غيره ، بخلاف لميته في إرشاد الطالبين الذي أشار فيه ــ أي في إرشاد الطالبين ــ إلى أن لميته من حيث الاستدلال من خلال الوجود على وجوده تعالى : (إن هنا موجوداً بالضرورة فإن كان واجباً فالمطلوب ، وإن كان ممكناً افتقر إلى مؤثّر ، فإن كان واجباً فالمطلوب ، وإن كان ممكناً دار وتسلسل ، وهما محالان كما تقدم . قالوا : وهذه طريقة شريفة أشير إليها في الكتاب العزيز بقوله : [أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] وهو برهان لمي لأنه استدلال به تعالى على غيره)([6]).
وقطب الدين الرازي (ت:766هـ) عده برهاناً لمياً ولكن من حيث الاستدلال به تعالى على معلولاته : (إن قيل : الاستدلال بالوجود على الواجب ليس استدلالاً بالعلة على المعلول ، وإلا لزم أن يكون الواجب معلولاً ؛ قلنا : الاستدلال بالعلة على المعلول هو الاستدلال من واجب الوجود على معلولاته . فإنا في الطريقة المختارة نثبت واجب الوجود أولا ، ثم نستدل به على سائر الموجودات . وأما القوم فيثبتون سائر الموجودات ، ويستدلون بها على وجود واجب الوجود . وبعبارة أخرى ؛ نحن نثبت الحق ونستدل به على الخلق ، وأما هم فيثبتون الخلق ويستدلون به على الحق ، فطريقتنا أشرف وأوثق واللّه أعلم)([7]).
ولكن الشيخ محمد مهدي النراقي ذكر كلام قطب الدين الرازي وعبَّر عنه ببعض المشاهير([8]) الذي نسب فيه كون برهان الصديقين لمياً : (الاستدلال بالعلة على المعلول هو الاستدلال من واجب الوجود على معلولاته . فإنا في الطريقة المختارة نثبت واجب الوجود أولاً ثم نستدل به على ساير الموجودات… وبعبارة أخرى : نحن نثبت الحق ونستدل به على الخلق)([9]).
ثم رده بقوله : (ووجه ضعفه : إن استدلالكم على الواجب إنما هو بأفراد الوجودات المعلولة أو بالوجود المطلق من حيث أنه في ضمن الأفراد الممكنة المعلولة ، فهو استدلال من المعلول على العلة دون العكس ، فلا فرق بين طريقتكم وطريقة غيركم . وأما ثبوت اللوازم والخواص المذكورة للواجب بعد إثباته فهو أمر آخر يتأتى على جميع الطرق بعد أن يثبت الواجب بأي منها .ومنها : أن كون العالم مصنوعاً ومجعولاً علة لكون الواجب صانعاً للعالم ، أي : هو علة لهذا الوجود الرابطي الإضافي للواجب تعالى لا لوجوده في نفسه ، لأن وجوده في نفسه ليس معلولاً لشيء ، فوجود العالم في نفسه معلول للواجب تعالى شأنه . والوجود الرابطي للواجب تعالى وهو كونه صانع العالم معلول للعالم باعتبار مصنوعيته ومجعوليته ، فكون العالم مصنوعاً ومجعولاً علة لكونه ذا جاعل واجب بالذات)([10]).
والشيخ النراقي ذكر قولاً يبيّن انحصار طريق الاستدلال عليه تعالى بالبرهان الإني : (قيل : وجه الأوثقية كون هذا المنهج أشبه الإنيات باللم الذي هو أوثق البراهين ، لا كونه لمياً . لأن البرهان اللمي هو الاستدلال بالعلة على المعلول ولا علة للأول تعالى شأنه حتى يستدل بها عليه ، كيف وجميع ما يستدل به عليه في هذا المنهج من موجود معين أو موجود منتشر أو جميع الموجودات أو الموجود أو الوجود من حيث هو معلول له ؟! . فإن الوجود المطلق الذي نحن نستدل به عليه ليس إلا ما شاهدناه وانتزعناه من الممكنات الموجودة ، فانحصر طريق الاستدلال عليه تعالى بالبرهان الإني الذي هو الاستدلال بالمعلول على العلة . إلا أن الاستدلال بمثل هذا المعلول الذي هو الوجود والموجود أشبه الإنيات باللم في إفادة اليقين ، بل يكاد أن يكون في مرتبته كما صرَّح به الشيخ الرئيس ، فإنه صرَّح بأن الاستدلال باللوازم المنتزعة عن حاق الملزوم قريب باللم في إفادة اليقين . وهذا المنهج لكونه نظراً في الموجود والوجود من حيث هو ، كذلك ؛ فإن مفهوم الوجود إنما ينتزع من ذاته تعالى بذاته من غير اعتبار قيد زائد على ذاته)([11]).
وأيضا الشيخ النراقي ذكر استدلالاً لبعضهم يفيد لمية برهان الصديقين إلا أنه لم يرتضه : (ذكروا في بيان الوجه الثاني أعني : لميه منهج الإلهيين وجوهاًً : منها : إنه استدلال بحال من مفهوم الوجود أعني : احتياج فرده الممكن إلى العلة أو كونه ذا تقرّر أو ذا فرد في نفس الأمر على حال أخرى منه ، وهي اتصافه بكون بعضه واجباً لا على ذات الواجب في نفسه ، فإن كون طبيعة الوجود مشتملة على فرد هو الواجب لذاته حال من أحوال تلك الطبيعة ، فالاستدلال بحال من تلك الطبيعة على حال أخرى لها معلولة للحال الأولى . وفيه : إن الحالة التي يستدل بها أعني : كون الوجود ذا تقرّر أو ذا فرد أو احتياج فرده الممكن إلى علة إنما هي معلومة ومستفادة من الوجودات الإمكانية ، وهي معلولة للواجب الحق تعالى شأنه ، فكيف يكون علة له في الخارج حتى يكون الاستدلال بها عليه لمياً ؟! . كيف ولو كان الاستدلال بالوجود المطلق على الواجب بأي طريق كان استدلالاً بالعلة على المعلول لكان للواجب علة ؟!)([12]).
ولكن يمكن أن يُقال : إن المراد من لمية برهان الصديقين هو بلحاظ الاعتبار والعقل ويلاحظ عليه هو أن قيمته المعرفية لا تخرج عن الإن كما تأتي الإشارة إليه في : (تتمة وإيضاح) .
وملا صدرا عده شبيهاً بالبرهان اللمي : (إن الواجب لا برهان عليه بالذات بل بالعرض وهناك برهان شبيه باللمي)([13]).
وعبد الرزاق اللاهيجي يرى برهان الصديقين يغني غناء البرهان اللمية لكونه نظراً في الوجود والاستدلال من خلاله على الخالق تعالى : (إن هذا المنهج أعني منهج الإلهيين هو أوثق المناهج وأقواها وأتمها وأهداها ، وأقلها مؤونة وأكثرها معونة ، ويشبه أن يكون طريق الصديقين الذين هم يستشهدون بالحق لا عليه ، لكونه نظراً في الوجود ، وهو عين حقيقته تعالى فيغني غناء البراهين اللمية ، ويمكن الوصول به إلى معرفته تعالى وإن لم ينظر إلى موجود بالفعل بعد ما فرض إمكان وجوده)([14]).
والسيد الطباطبائي عده برهاناً إنياً : (أوثقها وأمتنها هو البرهان المتضمن للسلوك إليه من ناحية الوجود وقد سموه برهان الصديقين لما أنهم يعرفونه تعالى به لا بغيره . وهو كما ستقف عليه برهان إني يسلك فيه من لازم من لوازم الوجود إلى لازم آخر)([15]).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ) الإشارات والتنبيهات (شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي)،ج3،ص66.
[2] ) الإشارات والتنبيهات (شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي)،ج3،ص66.
[3] ) إرشاد الطالبين هو شرح على كتاب نهج المسترشدين في أصول الدين للعلامة الحلي.
[4] ) سورة فصلت : 53.
[5] ) إرشاد الطالبين،ص176.
[6] ) اللوامع الإلهية،ص152.
[7] ) الإلهيات من المحاكمات،ص93.كتاب (المحاكمات) في المنطق – حاول فيه التوفيق بين آراء الفخر الرازي والخواجة الطوسي على كتاب (الإشارات) لابن سينا.وقطب الدين الرازي شيعي إمامي ، من تلامذة العلامة الحلي ، وقد ترجم له العديد من العلماء ، من ضمنهم الحر العاملي في أمل الآمل : (الشيخ قطب الدين محمد بن محمد الرازي البويهي. فاضل جليل محقق ، من تلامذة العلامة ، روى عنه الشهيد ، وهو من أولاد أبي جعفر ابن بابويه ، كما ذكره الشهيد الثاني في بعض إجازاته وغيره . وقد نقل القاضي نور الله في مجالس المؤمنين صورة إجازة العلامة له ، وذكر أنها كانت على ظهر كتاب القواعد فقال فيها : قرأ علي أكثر هذا الكتاب الشيخ العالم الفقيه الفاضل المحقق المدقق زبدة العلماء والأفاضل قطب الملة والحق والدين محمد بن محمد الرازي أدام الله أيامه قراءة بحث وتحقيق وتحرير وتدقيق . . . وقد أجزت له رواية هذا الكتاب ورواية جميع مؤلفاتي ورواياتي وما أجيز لي روايته وجميع كتب أصحابنا السالفين بالطرق المتصلة مني إليهم ، فليرو ذلك لمن شاء وأحب على الشروط المعتبرة في الإجازة ، فهو أهل لذلك وكتب العبد الفقير إلى الله حسن بن يوسف ابن المطهر الحلي سنة 713 بناحية ورامين انتهى .وذكر أنه توفي في سنة 766 في دمشق).أمل الأمل،ج2،ص300.
[8] ) المراد به هو قطب الدين الرازي، ونقل كلامه من الإلهيات من المحاكمات،ص.93
[9] ) جامع الأفكار،ج1،ص105.
[10] ) جامع الأفكار،ج1،ص105.
[11] ) جامع الأفكار وناقد الأنظار ،ج1،ص95.
[12] ) جامع الأفكار،ج1،ص104.
[13] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص27.من حواشي الملا هادي السبزواري : (هذا وجه آخر غير ما ذكر مما بالعرض إذ في الأول التزم انه برهان لمي إلا أنه على حال مفهوم الموجود أو على وجوده تعالى الرابطي بالذات وعلى وجوده النفسي بالعرض وفي الثاني لا يلتزم أنه برهان لمى بل شبيه باللمي لكن على أنه فوق اللمي لا أنه دونه أما أنه ليس بلمي حقيقة فهو ظاهر إذ ليس هو تعالى معلولاً وأما أن الاستدلال من حقيقة الوجود على الوجوب فوق اللم فلأن كل لم مستعير في الإنارة من نور حقيقة الوجود).
[14] ) شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام،ج5،ص68.
[15] ) نهاية الحكمة (تعليقات الزارعي)،ج2،ص208.