(31) س هل يمكن الاطلاع على كتب الفلسفة ودراستها؟

(31) س هل يمكن الاطلاع على كتب الفلسفة ودراستها؟

ج : إن من يأمن الانحراف عند قراءة الكتب الفلسفية لا ضير عليه في مطالعتها ودراسة ما صُنف فيها من باب الاطلاع ومعرفة المغزى والمراد([1])  ، ولكن الاطلاع عليها شيء ، والإذعان لثمارها وفوائدها شيء آخر ، بمعنى المطالعة من غير التصديق والانجرار لدعاوى لا أساس لها من الصحة ، كتوقف إثبات التوحيد ونقض الشبهات عليها ، وكعدها من العلوم الآلية( [2]) .

وغير خافٍ أن الكثير من دارسي الفلسفة ينساقون نحو التصديق بأمور اختلقها أصحاب الاتجاه الفلسفي ، حتى غدت عندهم أشبه بالبديهيات ، من غير تثبت من صحتها والبحث عن جذورها وأصلها ، ومن ثم يسيرون على خطى أسلافهم فيدعون إلى الاعتقاد بها ، والدفاع عن معتقداتها ، ومجادلة من ينتقدها ، وهكذا يتوارثونها متأخر عن متقدم من دون تثبت وتأمل.

إن دارس الفلسفة يحتاج عادةً إلى شرحين مضافاً إلى كتابه الدراسي ، أو شرح وتعليق على أقل تقدير ، هذا إذا كان حريصاً على فهم المادة فهماً جيداً ، فما بالك فيمن لا يقرأ ويراجع إلا الكتاب المقرر دون غيره ، وأغلب هذا الصنف من الدارسين ليس لديه اهتمام بالمادة ولا تعنيه كثيراً ؛ فما فهمه بها ونعمت ، وما لم يفهمه فليذهب غير مأسوفٍ عليه . بل يوجد صنف آخر يحضر الدرس بكتاب مستعار ، ولا يمكنه كتابة الشرح عليه ولا المطالب المهمة حين حضور الدرس ، فضلاً عن عدم مطالعة الشروح والتعليقات . ولم أقل هذا على نحو الفرض والحدس وإنما عن واقع لمسناه وشهدنا تفاصيله .

 وعلى ما يبدو أنهم اكتفوا من حضورهم للدرس بحشر مع الناس عيد ؛ فمن حيث فهم المطالب المقررة دراسياً ، ومما يُعين على الإحاطة بها هو مطالعة الشروح والتعليقات ، لأنها بمنزلة أستاذ آخر يمكن من خلالها اكتمال المطالب ونضوجها في ذهن الطالب ، ويتدارك بها ما فاته ، أو فات الأستاذ أثناء الشرح.

ويوجد أمر آخر في غاية الأهمية ، ومن الخطأ الفادح إغفاله ، وهو تتبع جذور المطالب الفلسفية ، ومعرفة المؤاخذات عليها ؛ إذ لربما بعد ذلك يكون الطالب أستاذاً يدرّس هذه المطالب ، وهو لا يعرف أصولها ومنشأها ، ولا مواطن الخلل والإشكال فيها ، ومع ذلك يصفها بالإسلامية ويدعو إليها ، فلا هو أحاط بحقيقتها ، ولا طلابه عرفوا جذورها ، ومن ينتقدهم على شيء ما يُصابون بالذهول ، ثم لا يتوانون عن رده ؛ لأنهم لم يألفوا  تلك المؤاخذات ، ولم يطالعوها من ذي قبل .

وما لم يهتم الطالب بالمادة شرحاً وتحقيقاً ، ومعرفة الثغرات فيها يكون مجرد مردد لِما يسمعه وكأنه لا صلة له بالموضوع . ثم يخرج علينا هذا المردد لِما سمع من غير تقصٍ وتتبع يتهجم على من ينتقد الفلسفة ، أو ينتقد مطالبها ؛ فلا هو تعلم ، ولا هو احتفظ بما لديه معزياً به نفسه.

كما أن دراسة الفلسفة لا تجعل الطالب مطلعاً على التصوف ، لأن ذلك يتطلب مطالعة وتتبعًا خاصًا لأن المواد المعروفة بالتدريس ــ في الحوزة ــ لوحدها لا تجعل الطالب على بينة من أمر التصوف.  نظير الاطلاع على الفرق الإسلامية تحتاج مطالعة إلى كتب الملل والنحل ، وكتب السير والتواريخ ، فيما إذا أريد الإحاطة بمعالم وعقائد فرقة معينة.

وعليه فمن الخطأ الفظيع أن يتصور طالب الفلسفة أنه بدراسته هذه يكون ذا خبرة ومعرفة بأمر التصوف .

وأرجو  أن يُتلقى هذا الكلام بسعة صدر وتفهم ، وخير شاهد على ما أقول : إن الغالبية العظمى منهم لا يعرفون هل التصوف والعرفان شيء واحد ، أم ثمة فرق بين الاثنين ؟! بل إن بعضهم لا يعرف حتى رموز التصوف في الوسط الشيعي ممن أفنوا أعمارهم في نشر التصوف وتدريسه ، فتراه يصفه بالعارف ولا يقبل وصفه بالتصوف !

ولا تستغرب من ذلك فثمة من يحارب التصوف ولا يرتضيه منهجاً ، إلا أنه لعدم معرفته به يعارض من ينتقد أفكاره ورموزه.

ومن الجدير بالتنبيه أن طالب العلوم الدينية إذا اقتصر نشاطه على الفلسفة دراسةً وتدريساً يخرج من وظيفته والعنوان المتلبس به ؛ لأن الفلسفة لم تكن من العلوم الدينية([3]) ، وقد نصَّ العلماء في الكتب الفقهية عند باب : (الوقف) على إخراج أصحابها من عنوان علماء الشريعة ، ولم يعدّوهم من أفراد هذا الصنف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) صرّح بعض الأعلام بحرمة دراسة الفلسفة إذا خشي الإنسان على نفسه الضلال عند دراستها كالسيد الخوئي ، ووافقه الشيخ جواد التبريزي ، والسيد محمد صادق الروحاني ، والشيخ محمد إسحاق الفياض ، وقد ذكرتُ كلماتهم في : (مقتطفات من آراء العلماء في الفلسفة) .

[2] ) ونحو ذلك من الأمور التي تم التطرق إليها في (التيار الفلسفي في حوزة قم المقدسة) .  وبينتُ أن العقل هو الرائد في هذا المجال ، وأن ما ذكره الفلاسفة الإسلاميون في مباحث التوحيد ليس إلا مقتبساً من المباحث العقلية المطروحة في علم الكلام ، ولم يكن للفلسفة وجودٌ فيها ، وهذا مما لا يخفى على كل منصف ذي بصيرة.

 

[3] ) عدم عدّ الفلسفة من العلوم الدينية أمر واضح لا يحتاج إلى بيان واستشهاد ، ولكن لا يمنع من نقل كلام الشيخ المظفر في هذا الشأن حيث يقول الشيخ  : (الفلسفة ليس فيها طابع ديني ولا تسلك مسلكاً معيناً ، أو تتبع ديناً بخصوصه ، بل تبحث عن الحقائق على ما هي عليه ، وهذا التجرد قد يحمل الفيلسوف على تبني رأي مخالف للشريعة الإسلامية ، أو لظاهر الشريعة الإسلامية مما يوجب الخروج عن الدين في واقع الأمر ، أو في نظر المسلمين ، والفيلسوف لا يبالي أن ينقض البرهان الذي أقامه ديناً أو مذهباً). الفلسفة الإسلامية،ص76.

وقال أيضاً متحدثاً عن الفلسفة : (لا نأخذ منها عقيدتنا ، والفلسفة أبعد ما تكون عن العقيدة الصافية الخالصة الصحيحة ، ولا يجب أن نعتقد بالله عن طريقة الفلاسفة ؛ لأن الله لم يكلفنا بذلك). الفلسفة الإسلامية،ص80.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.