(39) س:هل قال المتأثرون في الفلسفة بعدم انتفاع أهل البيت من الصلاة على محمد وآله؟
(39) س : هل قال المتأثرون في الفلسفة بعدم انتفاع أهل البيت من الصلاة على محمد وآله؟
ج : إن من جملة ما ذهب إليه المتأثرون في الفلسفة القول بأن الصلاة على محمد وآل محمد لا تنفعهم (عليهم السلام) . وهذا القول لا مستند فيما روي عن أهل البيت (عليهم السلام)، وإنما هو من معتقدات الفلاسفة حيث يرون أن الكامل لا يستفيد كمالاً من الناقص، وأن النبي والأئمة عليهم السلام واسطة في إفاضة الفيض، فلا يمكن أن يعود إليهم نفع من أعمال العباد بحسب زعمهم وأوهامهم.
وتوجد لهم كلماتٌ متعددة صرَّحوا فيها بذلك، منها ما ذكره القاضي سعيد القمي : (إن الصلاة من العباد هو استدعاؤهم من اللّه إفاضة الرحمة ، وطلبهم منه سبحانه استدامة الإشراقات النورية والأنوار الإلهية على أشرف الأنفس الطاهرة . وذلك الدعاء بالحقيقة هو تصحيح من العبد نسبة وخصوصية إلى الرسول صلى اللّه عليه وآله ، وإلا فهو صلى اللّه عليه وآله مستغن باللّه عن جميع ما سواه . والرحمة الإلهية والخيرات الربانية دائمة الإفاضة عليه بسبب ما أتعب نفسه في جنب اللّه وجاهد في سبيله وبلّغ عنه وشرع الإسلام والطريق الموصل إليه ؛ فإذا صحّت نسبة العبد إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله بالصلاة والدعاء ولا شك أنه صلّى اللّه عليه وآله هو الواسطة في إفاضة الرحمة على سائر البرية كما قال سبحانه : [وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ] سواء في ذلك خلائق من الأولين والآخرين أفيض من فضل تلك الأنوار ويرشح من طفح هذه الرحمات المختصة بقائد الأبرار بقدر شدة نسبة ذلك العبد وضعفه عليه ؛ فالعبد بسبب الصلاة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، ينال الرحمة الخاصة وإن كان له نصيب من فيض الرحمة العامة التي له صلى اللّه عليه وآله بالنظر إلى جميع البرية)([1]).
وأما ما ورد في الزيارة الجامعة : (وجعل صلواتنا عليكم، وما خصنا به من ولايتكم طيبا لخلقنا، وطهارة لأنفسنا وتزكية لنا، وكفارة لذنوبنا).فلا ريب في أن هذه الفقرات تدل على ما يترتب على الصلاة عليهم من آثار تعود إلى المصلي،إلا أنها لا تنفي أن يكون لها أثر يعود على أهل البيت (عليهم السلام).بل روي عن الإمام الكاظم عليه السلام أن الصلاة على محمد وآله دعاء لرسول الله صلى الله عليه وآله: (صلاة اللّه رحمة من اللّه، وصلاة ملائكته تزكية منهم له، وصلاة المؤمنين دعاء منهم له)([2]). والأصل في الدعاء أنه طلب الخير والزيادة من الله تعالى للمدعو له.
وقد يُستدل بما رواه الشيخ الطوسي في مصباح المتهجد عن الإمام الصادق عليه السلام في صلاة يستحب أن يصلى فيها على النبي صلى الله عليه وآله وقت العصر من يوم الجمعة جاء فيها : (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ، لا لحاجة إلى صلاة أحد من المخلوقين بعد صلاتك عليه ولا إلى تزكيتهم إياه بعد تزكيتك بل الخلق جميعا هم المحتاجون إلى ذلك لأنك جعلته بابك الذي لا تقبل لمن أتاك إلا منه..)([3]).
ومحل الكلام في : (لا لحاجة إلى صلاة أحد) وهي لا تدل على نفي انتفاع النبي (صلى الله عليه وآله) بالصلاة عليه ، وإنما تدل على نفي حاجته إليها.
وبعبارة أخرى يوجد فرق بين نفي الحاجة والافتقار، وبين نفي الانتفاع والأثر؛فالعبارة تنفي الحاجة لا الانتفاع والأثر من الصلاة .وعليه لا يمكن بهذه الفقرة نفي الأثر ؛ لأنها تنفي الحاجة لا الانتفاع وترتب الأثر.
ولتقريب ذلك وتوضيحه بالمثال : الشخص الثري غير المحتاج إلى الناس ، فإن عدم حاجته إلى الناس لا يمنع من انتفاعه بالهدية التي تقدم إليه، ولا يعني أن الهدية لا يكون لها أثر في حقه.
وتوجد نصوص أخرى يستفاد منها نفي حاجتهم (عليهم السلام) إلى الخلق ، كما روي عن الإمام السجاد عليه السلام : (وَالْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَغْلَقَ عَنَّا بَابَ الْحَاجَةِ إِلَّا إِلَيْهِ)([4]). ويجري فيها الكلام المتقدم ؛ فإن نفي الحاجة لا ينفي ترتب الأثر والانتفاع.
وأما القول بأنهم (عليهم السلام) الوسيلة إلى الله تعالى ، وأنه لا يوجد بينهم وبين الله تعالى واسطة ، فلا يدل على نفي انتفاعهم بأعمال العباد ، وإنما هو نوع من الرأي وحمل معنى الوسيلة على معنى لا تدل عليه.
ومثل ذلك ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة : (فإنا صنائع ربنا والناس بعد صنائع لنا)([5]).
وذكر العلامة المجلسي في بيان معناه : (فالمعنى أنه ليس لأحد من البشر علينا نعمة، بل الله تعالى أنعم علينا، فليس بيننا وبينه واسطة، والناس بأسرهم صنائعنا، فنحن الوسائط بينهم وبين الله سبحانه . ويحتمل أن يريد بالناس بعض الناس، أي المختار من الناس نصطنعه ونرفع قدره)([6]).
وقال محمد عبده في شرحه : (إن آل النبي أسراء إحسان الله عليهم، والناس أسراء فضلهم بعد ذلك . وأصل الصنيع من تصنعه لنفسك بالإحسان حتى خصصته بك كأنه عمل يدك)([7]).
والخبر لا ينصُّ على انتفاء الأثر وعود الفائدة من الصلاة عليهم ، ولا يوجد فيه ما يمكن استظهاره في هذا المعنى.
وما ذكره العلامة المجلسي وغيره من الشراح يندرج في نفي الحاجة والافتقار إلى الخلق ، وليس في نفي الأثر والانتفاع كما سبق بيان الفرق بينهما.
وقد يُستبعد عن الأفهام إمكان عود أثر صلاة المصلي إلى أهل البيت عليهم السلام، ويستغرب من ذلك .
ومع صرف النظر عن آرائنا وتوجيهاتنا وأفهامنا يوجد لدينا نص يدل على انتفاعهم (عليهم السلام) ، وهو ما تقدم من حديث الإمام الكاظم (عليه السلام) في تفسير صلاة المؤمنين بأنها دعاء منهم له ؛ فإن تفسير الصلاة بالدعاء ظاهر في كونها دعاءً للنبي صلى الله عليه وآله، ولا معنى لنفي كل أثر لهذا الدعاء في حقه، وإلا ما فائدة حمل الصلاة على الدعاء ، وعلى أقل تقدير تكون فقرة : (لا لحاجة إلى صلاة أحد) مجملة ، ولا دلالة فيها على نفي ترتب الأثر على الصلاة .
ومما يدل أيضاً على إمكان عود أثر الصلاة إليهم (عليهم السلام) ما رواه السيد ابن طاووس في جمال الأسبوع : (حدث أبو محمد الصيمري قال : حدثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الله البجلي بإسناد ، رفعه إليهم صلوات الله عليهم قال : (من جعل ثواب صلاته لرسول الله وأمير المؤمنين والأوصياء من بعده صلوات الله عليهم أجمعين وسلم ، أضعف الله له ثواب صلاته أضعافاً مضاعفة حتى ينقطع النفس ، ويقال له قبل أن يخرج روحه جسده : يا فلان ! هديتك إلينا وألطافك لنا فهذا يوم مجازاتك ومكافأتك ، فطب نفساً وقر عينا بما أعد الله لك وهنيئا لك بما صرت إليه ، قال : قلت : كيف يهدى صلاته ويقول ؟ قال : ينوى ثواب صلاته لرسول الله صلى الله عليه وآله ، ولو أمكنه أن يزيد على صلاة الخمسين شيئاً ولو ركعتين في كل يوم ويهديها إلى واحد منهم)([8]).
ومحل الاستشهاد : (هديتك إلينا وألطافك لنا) فإنه يمكن أن يُستظهر منه ذلك.
والفضل كله لله تعالى ، ومن ذلك ما يتفضل به عليهم (عليهم السلام) من دعاء المؤمنين وصلاتهم ، وليس في ذلك أن لأحد من العباد فضلاً أو منةً عليهم ، وهو الذي شرع هذه الأعمال وجعلها سبباً لما يترتب عليها من الآثار.
وهذا المعتقد من جملة معتقدات الفلاسفة ، وإن كان من غير ذوي التوجه الفلسفي من يقول به أيضاً.
والأغرب من ذلك أن الفلاسفة لم يفسروا معنى واسطة الفيض في ضوء النصوص الشرعية، وإنما فسروه على وفق أصولهم الفلسفية، فترتب على ذلك انحرافهم عن المعنى الذي تدل عليه الروايات، ووقعوا في زلل عظيم.
وملخص ذلك : القول بأن الكامل لا يستفيد كمالاً من الناقص من المتبنيات الفلسفية التي رتّبوا عليها عدم انتفاع أهل البيت (عليهم السلام) بالصلاة عليهم ، ولا يوجد في النصوص مستند واضح يدل عليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ) شرح توحيد الصدوق،ج1،ص450.
[2] ) ثواب الأعمال،ص156.
[3] ) مصباح المتهجد،ص387.
[4] ) الصحيفة السجادية (من دعائه عليه السلام إذا ابتدأ بالدعاء بدأ بالتحميد لله عز وجل والثناء عليه).
[5] ) نهج البلاغة (شرح محمد عبده)،ج3،ص32.
[6] ) بحار الأنوار،ج33،ص68.
[7] ) نهج البلاغة (شرح محمد عبده)،ج3،ص32.
[8] ) جمال الأسبوع،ص29.