(27) س : هل توجد روايات تدل على قاعدة الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد؟

 

(27) س : هل توجد روايات تدل على قاعدة الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد؟

ج : قد يُتوهم أن تبنّي قاعدة الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد كان منبثقاً من بعض الأخبار .وهذا مما لا واقع له ؛ إذ إن ما استُدل به من الأخبار لا يدل على هذه القاعدة ، وكان أصل الاستناد في تبنّيها منساقاً إلى الفلسفات الدخيلة على الإسلام ، ثم بعد ذلك التُمس لها الشواهدَ من الأخبار ، بعد التأويل وتحريف المعنى ؛ لصبغها بصبغة إسلامية وإضفاء القبول عليها ،كما هو ديدنهم فيما يتبنونه من تلك الفلسفات ، فلا بأس من استعراض ما استُدل به ثم بيان وجه المناقشة فيه:

روي عن جابر بن عبد الله قال : قلت لرسول الله : أول شيء خلق الله تعالى ما هو ؟ فقال : (نور نبيك يا جابر ، خلقه الله ثم خلق منه كل خير)([1]).

وعن الإمام الباقر عليه السلام : (كان إذ لا شيء غيره و خلق الشيء الذي جميع الأشياء منه وهو الماء الذي خلق الأشياء منه)([2]).

قد استُدل بهذين الخبرين على قاعدة الواحد مع أن كلاً منهما لا يدل عليها إذ معنى القاعدة عدم إمكان أن يخلق الخالق إلا من خلال الصادر الأول . وكلٌّ من الخبرين لم يثبت ذلك ــ أي لم يثبتا عدم إمكان أن يخلق الخالق إلا من الصادر الأول ــ  وإنما أثبت أحدهما الخلق من نور النبي صلى الله عليه وآله ، والآخر أثبت الخلق من الماء ، ولم يثبتا عدم قدرة الخالق على أن يخلق من غير (نور النبي) أو (الماء) ، فالمثبت في الخبرين غير المنفي في القاعدة ـــ وهو عدم إمكان خلق الخالق للخلق من غير نور النبي ومن غير الماء ـــ وبعبارة أخرى : إن الخبرين لم ينفيا القدرة عن الله تعالى في أن يخلق الخلق بصورة عرضية ، وأما مفاد قاعدة الواحد فهو إثبات عدم إمكان الخلق إلا بصورة طولية ، ونفي قدرته تعالى على أن يخلق الخلق بصورة عرضية.

وتوجد روايات أخرى تدل على أن أول ما خلقه الله هو روح النبي. وروي : أول ما خلق الله العرش . وروي : القلم . وروي العقل . وروي : الهواء . وروي : المشيئة

وهذه الأولية الواردة في الأخبار يمكن تفسيرها بالأولية النسبية ، أي أول ما خلق الله هذه الأمور بنسبة لما يناسبها في عالم الخلقة ثم فرّع منها ما يلائم طبيعتها ، وعلى هذا تكون هذه الأخبار دالة على عدة مخلوقات عرضية ثم تفرع منها ما يناسبها طولياً ، أي خلق من الماء ما يناسبه من عالم الخلقة ويعتبر هو المخلوق الأول بالنسبة لها([3])، وخلق من الهواء ما يناسبه وهكذا بالنسبة لسائر ما روي . وهذا مما يبطل أيضاً قاعدة الواحد والعقول العشرة المتفرعة عليها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) بحار الأنوار،ج15،ص24. نقله العلامة المجلسي مرسلاً في البحار وقد تناقلته كتب الصوفية التي سبقت العلامة.

[2] ) الكافي،ج8،ص94.

[3] ) يقول الفيض الكاشاني : وأما ما ورد من  : (أول ما خلق اللّه الماء) فأريد به أول ما خلق من عالم الأجسام ، وأريد بالماء مادة الأجسام وما به قوامها . علم اليقين في أصول الدين،ج1،ص230.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.